بقلم: نادية هنري
تمر هذا العام عشر سنوات على واحدة من أهم الهدايا التي قُدمت لمصر في تاريخها الحديث، عندما أعلن قداسة البابا فرنسيس إدراج مسار رحلة العائلة المقدسة في مصر ضمن برامج الحج الرسمية للكاثوليك في العالم.
في تقديري، لم يكن ذلك مجرد قرار كنسي، بل كان اعترافًا عالميًا بمكانة مصر الروحية والإنسانية، ورسالة واضحة بأن أرض مصر ليست فقط مهدًا للحضارة، بل هي أيضًا الأرض التي احتضنت السيد المسيح والسيدة العذراء والقديس يوسف، ووفرت لهم الأمن والسلام في أصعب لحظات حياتهم.
ورغم مرور عشر سنوات، ما زلت أعتقد أننا لم نستثمر هذه الهدية الاستثمار الذي تستحقه.
لقد تعامل كثيرون مع مسار رحلة العائلة المقدسة باعتباره مشروعًا دينيًا أو أثريًا، بينما هو في الحقيقة مشروع وطني متكامل، يجمع بين الإيمان والثقافة والسياحة والاقتصاد والتنمية.
إن العالم يشهد اليوم ازدهارًا كبيرًا في سياحة الحج، حيث يسافر ملايين البشر سنويًا لزيارة الأماكن المقدسة، وينفقون مليارات الدولارات في الدول التي تستضيف تلك المواقع. ومصر تمتلك واحدًا من أهم مسارات الحج المسيحي في العالم، يمتد عبر محافظات عديدة، ويربط بين عشرات المواقع التي تحمل قيمة روحية وتاريخية فريدة.
إنها فرصة لا تتكرر.
فرصة لتحويل هذا المسار إلى مشروع قومي يخلق فرص عمل، ويدعم الاقتصاد المحلي، ويعيد الحياة إلى القرى والمدن الواقعة على امتداد الرحلة، ويشجع الاستثمار في الفنادق، ووسائل النقل، والصناعات التراثية، والحرف اليدوية، والخدمات السياحية.
لكن تحقيق ذلك يحتاج إلى رؤية تتجاوز فكرة الترميم أو التطوير الإنشائي للمواقع.
نحن بحاجة إلى خطة متكاملة للتسويق الدولي، وإلى شراكات مع الكنائس والمؤسسات الدينية حول العالم، وإلى برامج ثقافية وإعلامية بلغات متعددة، وإلى حضور مصري قوي في المعارض والمؤتمرات السياحية الدولية.
وهنا يبرز الدور المحوري للمصريين في الخارج.
فهم ليسوا مجرد جاليات تعيش خارج الوطن، بل سفراء لمصر بحكم وجودهم داخل مجتمعاتهم، يمتلكون القدرة على بناء الجسور، ونقل الصورة الحقيقية عن وطنهم، والتعريف بهذا المسار الفريد لدى الكنائس والمؤسسات السياحية والثقافية في الدول التي يقيمون بها.
إن مشاركتهم ليست عملًا تطوعيًا فحسب، بل استثمار في قوة مصر الناعمة، وتعزيز لصورتها الحضارية أمام العالم.
لقد أثبتت التجارب أن الدول التي نجحت في تحويل تراثها الديني إلى قوة اقتصادية لم تعتمد على الحكومات وحدها، بل جعلت مواطنيها في الخارج جزءًا من المشروع، وشركاء في الترويج له والدفاع عنه.
ومن هنا، فإنني أدعو إلى إطلاق مبادرة وطنية تجمع الدولة والكنائس والقطاع الخاص والمجتمع المدني والجاليات المصرية في الخارج، لوضع استراتيجية موحدة للتعريف بمسار رحلة العائلة المقدسة، وتحويله إلى أحد أهم المقاصد العالمية لسياحة الحج.
إن رحلة العائلة المقدسة ليست مجرد صفحات من التاريخ، بل رسالة سلام خرجت من مصر إلى العالم، ولا تزال قادرة على أن تقدم للعالم نموذجًا فريدًا للتعايش والمحبة.
إنه كنز حقيقي… لكنه ما زال مدفونًا.
وحان الوقت لأن نرفع عنه الحجر، لا بالكلمات، وإنما برؤية وطنية، وإرادة سياسية، وعمل مؤسسي، يليق بقيمة هذا الإرث العظيم، ويليق بمصر التي اختارها الله لتكون ملاذًا آمنًا للعائلة المقدسة، وستظل قادرة على أن تكون منارة للسلام والحضارة والإنسانية.





