هاني صبري - الخبير القانوني والمحامي بالنقض
مع صدور قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025، والذي يبدأ العمل بأحكامه اعتبارًا من الأول من أكتوبر 2026، تدخل منظومة العدالة الجنائية في مصر مرحلة جديدة تعتمد على التحول الرقمي الكامل، بما يحقق سرعة الفصل في القضايا، ويحد من مشكلات الإعلان التقليدي، ويعزز من تنفيذ الأحكام القضائية.
ويمثل هذا القانون أحد أهم التشريعات الإجرائية التي شهدتها مصر خلال العقود الأخيرة، إذ لم يقتصر على تحديث إجراءات التحقيق والمحاكمة، وإنما أسس لمنظومة إلكترونية متكاملة تربط بين النيابة العامة والمحاكم والجهات الحكومية المختلفة، بما يسمح بتبادل البيانات بصورة فورية وآمنة، ويمنح للإعلان الإلكتروني حجية قانونية متى تم وفق الضوابط التي حددها القانون.
أولاً: إنشاء منظومة التقاضي الرقمي.
استحدث القانون نظامًا متكاملاً للتقاضي الرقمي يقوم على استخدام الوسائل الإلكترونية الحديثة في مباشرة العديد من إجراءات الدعوى الجنائية، وذلك من خلال قواعد بيانات موحدة تربط بين: النيابة العامة. والمحاكم.
و الجهات الحكومية المختصة. وقواعد بيانات الرقم القومي. والجهات القائمة على خدمات الاتصالات.
ويهدف هذا الربط إلى ضمان وصول الإخطارات والإعلانات القضائية إلى أصحاب الشأن بصورة أكثر دقة وسرعة، وتقليل حالات تعطيل العدالة بسبب تعذر الإعلان أو تغيير محل الإقامة.
ثانياً: الإخطار الإلكتروني للمواطن.
من أبرز المستحدثات التي جاء بها القانون إجازة استخدام الوسائل الإلكترونية في إعلان وإخطار الخصوم.
وبمقتضى هذه المنظومة، يجوز أن يتم إخطار المواطن على رقم الهاتف المحمول أو وسائل الاتصال الإلكترونية المرتبطة ببياناته الرسمية، متى كانت هذه الوسائل مقيدة بقاعدة البيانات المعتمدة، وذلك عند اتخاذ إجراءات قضائية تتعلق به، وفقًا للضوابط والإجراءات التي يحددها القانون ولائحته التنفيذية.
وقد تشمل هذه الإخطارات - بحسب طبيعة الدعوى - ما يتعلق بـ:
١- قيد دعوى جنائية.
٢- إعلان جلسة محاكمة.
٣- إعلان قرار أو أمر صادر من النيابة.
٤- إعلان حكم أو إجراء تنفيذي.
٥- أي إجراء آخر يجيز القانون إعلانه إلكترونيًا.
ولا يعني ذلك أن جميع الإعلانات أصبحت تتم إلكترونيًا على سبيل الوجوب، وإنما أجاز القانون هذا الأسلوب باعتباره أحد وسائل الإعلان القانونية التي تستكملها اللائحة التنفيذية وتحدد ضوابطها الفنية.
ثالثاً: ربط الرقم القومي بقواعد البيانات القضائية.
اعتمد المشرع على الرقم القومي باعتباره المعرف الرئيسي لكل مواطن داخل المنظومة الرقمية.
ويترتب على ذلك إمكانية الربط بين بيانات الشخص وما قد يقام ضده من دعاوى أو يصدر بشأنه من قرارات أو أحكام، بما يحد من مشكلات تشابه الأسماء أو تقديم بيانات غير دقيقة.
كما يسهم هذا الربط في سرعة تنفيذ القرارات القضائية والتأكد من وصول الإعلانات إلى الشخص الصحيح.
رابعاً: تنفيذ الأحكام إلكترونيًا.
لم يقتصر التطوير على مرحلة التقاضي، وإنما امتد إلى مرحلة تنفيذ الأحكام.
فقد أجاز القانون للجهات القضائية المختصة اتخاذ التدابير اللازمة لضمان تنفيذ الأحكام واجبة النفاذ، وذلك من خلال مخاطبة الجهات الإدارية المختصة لاتخاذ ما يلزم من إجراءات، وفقًا لما ينظمه القانون واللائحة التنفيذية.
ويعكس ذلك اتجاه المشرع إلى إنهاء ظاهرة صدور أحكام نهائية دون تنفيذها لسنوات طويلة، وذلك من خلال التكامل الإلكتروني بين جهات العدالة والجهات الإدارية.
خامساً: حظر بعض الخدمات الحكومية على المحكوم عليهم.
ومن أهم الآثار العملية التي ترتبط بتنفيذ الأحكام، أن القانون أجاز مخاطبة الجهات الإدارية المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المحكوم عليهم بالأحكام واجبة النفاذ.
ويفتح هذا النص المجال أمام تطبيق تدابير إدارية، وفقًا لما ستحدده اللائحة التنفيذية والقوانين المنظمة لكل جهة، ومن بينها وقف أو تعليق بعض الخدمات الحكومية التي يشترط القانون للحصول عليها عدم وجود التزامات أو أحكام واجبة التنفيذ لم يتم تنفيذها.
غير أنه ينبغي التأكيد على أن الحظر لا يطبق بصورة تلقائية على جميع الخدمات الحكومية، ولا على جميع المحكوم عليهم، وإنما يكون في الحدود التي يجيزها القانون، ووفق الضوابط التي ستحددها اللائحة التنفيذية والقرارات التنظيمية الصادرة تنفيذًا له، مع مراعاة الضمانات الدستورية وحق التقاضي.
ومن ثم، فإن ما يُتداول من أن جميع الخدمات الحكومية سوف تُمنع فور صدور أي حكم قضائي، هو تعميم غير دقيق؛ إذ إن تطبيق أي قيد على الخدمات يظل رهينًا بالنصوص المنظمة لكل خدمة وبالإجراءات التي تقررها الجهات المختصة.
سادساً: مزايا المنظومة الجديدة.





