قراءةٌ في التاريخ والصحافة والجماعة الوطنية
مدخلٌ منهجيّ: المؤرخ بوصفه حارسًا للذاكرة العامة


الكسندر سابا
في حياة الأمم لحظاتٌ تحتاج فيها إلى مَن يذكّرها بذاتها؛ لا بالخِطابة التي تستثير الانفعال ولا تضبط الواقعة، ولا بالأسطورة التي تمنح الجماعة عزاءً سريعًا على حساب الحقيقة، بل بالوثيقة التي تشهد وإن خالفت الهوى، وتقاوم النسيان المتعمّد مثلما تقاوم التذكّر الانتقائي.

وكان يونان لبيب رزق واحدًا من أولئك المؤرخين الذين لم يتعاملوا مع الوثيقة بوصفها أثرًا ساكنًا من بقايا الماضي، بل بوصفها قوةً معرفيةً تدخل في تكوين الحاضر. فالوثيقة عنده لم تكن مجرد مادةٍ أولية يقتبس منها الباحث، وإنما كانت حدًّا فاصلًا بين التاريخ والدعاية، وبين الذاكرة والتحريض، وبين ما وقع فعلًا وما ترغب السلطة أو الجماعة في أن تتذكر أنه وقع.

ومن هنا لا تكمن أهمية رزق في أنه كتب تاريخ مصر الحديث فحسب، بل في أنه أسهم في تكوين وعيٍ تاريخيّ مدنيّ: وعيٍ يعرف أن الدولة لا تقوم على الشعارات المجردة، وإنما على مؤسساتٍ يمكن تتبع نشأتها، وقوانين يمكن فحصها، وقرارات يمكن مساءلتها، ووثائق تحول دون أن يصبح الماضي ملكًا لمن يملك الصوت الأعلى.

ولعل تعبير «مصر المدنية» أدق من استخدام «الدولة المدنية» وحده في وصف مشروعه؛ فهو عنوان أحد كتبه بالفعل، كما أنه يلائم بنية اهتمامه بتاريخ الوزارات والأحزاب والبرلمان والصحافة والإدارة. لم تكن المدنية عنده موقفًا أيديولوجيًّا منفصلًا عن التاريخ، بل سيرورةً طويلةً تتكون فيها الدولة الحديثة من خلال مؤسساتها ومجالها العام وذاكرتها المكتوبة.

أولًا: التكوين — من دراسة التاريخ إلى تاريخ المؤسسات
وُلد يونان لبيب رزق في القاهرة في 27 أكتوبر 1933. وبعد تجربةٍ قصيرة في كلية العلوم، انتقل إلى كلية الآداب بجامعة عين شمس، فتخرج في قسم التاريخ سنة 1955، ثم حصل على الماجستير في التاريخ الحديث سنة 1963، والدكتوراه سنة 1967. وبعد عمله في التعليم الثانوي انتقل إلى الجامعة، وتدرج في كلية البنات بجامعة عين شمس حتى صار أستاذًا ورئيسًا لقسم التاريخ الحديث فيها.

وليس المهم في هذا التكوين تتابع الدرجات والمناصب وحده، بل طبيعة المدرسة التاريخية التي انتمى إليها. فقد تشكل في مناخٍ أكاديمي يرى أن التاريخ علمٌ للتحقيق والفهم، لا حكايةٌ للتمجيد أو الاتهام؛ وأن الوثيقة لا تُستدعى لتزيين الحكم الذي سبق اتخاذه، بل لتكوين الحكم نفسه.

ولهذا لم ينصرف أساسًا إلى كتابة تاريخ البطولات الفردية، بل إلى تاريخ المؤسسات: الوزارات، والأحزاب، والصحافة، والبرلمان، والعلاقات المصرية السودانية، والسياسة الخارجية. وهي موضوعات تكشف عن فهمه الضمني للدولة الحديثة؛ فالدولة لا تُختزل في الحاكم، ولا الأمة في الزعيم، وإنما تتشكل داخل شبكةٍ من المؤسسات والعلاقات والقوانين وموازين القوة.

وفي كتابه عن تاريخ الوزارات المصرية لم يكن يسجل تعاقب الحكومات فحسب، بل كان يتتبع علاقة الوزارة بالقصر والاحتلال والحزب والبرلمان. وفي كتاباته عن الصحافة والحياة الحزبية كان يدرس الكيفية التي تكوّن بها المجال العام، وكيف انتقلت السياسة المصرية — ولو انتقالًا متعثرًا — من دوائر البلاط إلى الأحزاب والبرلمان والصحيفة.

ومن هنا كان منهجه مدنيًّا في بنيته قبل أن يكون مدنيًّا في شعاراته؛ لأنه نقل مركز النظر من الشخص إلى المؤسسة، ومن البطولة إلى البنية، ومن الرواية الشفوية إلى الدليل القابل للفحص.

ثانيًا: «الأهرام ديوان الحياة المعاصرة» — حين صارت الصحيفة أرشيفًا للمجتمع
بلغ مشروع يونان لبيب رزق ذروة حضوره العام في صفحته الأسبوعية «الأهرام ديوان الحياة المعاصرة». وقد صدرت الحلقة الأولى في 15 يوليو 1993 بعنوان «الأهرام جريدة لا تهرم»، بعد أن اقترح إنشاء مركزٍ لتاريخ الأهرام والاستفادة من أرشيف الصحيفة الممتد منذ القرن التاسع عشر. واستمر المشروع حتى بلغ 717 حلقة، جُمعت مواد كثيرة منها في سبعة عشر كتابًا. وكان عنوان «ديوان الحياة المعاصرة» تعبيرًا أطلقه طه حسين على الأهرام، ثم حوّله رزق إلى برنامجٍ بحثي متكامل.

كانت الفكرة في ظاهرها يسيرة: الرجوع إلى أعداد الصحيفة القديمة وكتابة تاريخ مصر من خلالها. غير أن التنفيذ كان أعقد بكثير؛ فالصحيفة لا تُقرأ بوصفها سجلًّا محايدًا، بل بوصفها نصًّا تاريخيًّا يحتاج إلى نقدٍ ومقارنةٍ وتفسير. فالخبر يعكس الواقعة، لكنه يعكس كذلك لغة عصره، وسياسة الصحيفة، وحدود المسموح به، وتحيزات الكاتب والقارئ.

وقد مزج المشروع بين المنهج التاريخي والكتابة الصحفية من غير أن يذيب أحدهما في الآخر. فاحتفظ بالتحقيق والتوثيق والسياق، لكنه حررها من اللغة الأكاديمية المغلقة، وأتاحها للقارئ العام. وقد شهد بعض من عملوا معه أن التجربة لم تعتمد على الأهرام وحدها، بل وازنت مادتها بالوثائق غير المنشورة والمراجع العربية والأجنبية، وأنها واجهت في بدايتها تحفظ بعض الأكاديميين الذين رأوا في تبسيط التاريخ إخلالًا بصرامته.

وهنا تتجلى أهميته التربوية. فقد جعل القارئ يرى أن التاريخ لا يتكون من الحوادث الكبرى وحدها، بل من تفاصيل الحياة اليومية أيضًا: الإعلان، والرسالة، والخبر القصير، والقرار الإداري، وسعر السلعة، ووصف المدينة، ومناقشات البرلمان. وهكذا تحولت الصحيفة من ناقلٍ لأخبار اللحظة إلى سجلٍ طويل لحركة المجتمع.

لكن الإنجاز الأعمق كان في تعليم القارئ كيف يقرأ. لم يكن يقدم له الماضي بوصفه مجموعةً من الأحكام الجاهزة، بل كان يعيده إلى لغة زمنه وسياقه، ويميّز بين الواقعة وتأويلها، وبين الحدث كما وقع والصورة التي ترسخت عنه لاحقًا.

ومن هذه الزاوية يصبح احترام الوثيقة أحد شروط الثقافة المدنية. فالمواطن الذي يتعلم طلب المصدر، ومقارنة الروايات، وفحص سياق الخبر، يكون أقل قابليةً للوقوع تحت سلطان الإشاعة والدعاية. واحترام الوثيقة هو، بهذا المعنى، الوجه المعرفي لاحترام القانون؛ فكلاهما يقيد سلطة الإرادة المنفردة، ويُلزم صاحب الادعاء بأن يقدم حجةً قابلةً للمراجعة.

ثالثًا: طابا — حين غادرت الوثيقةُ الأرشيف لتحرس الحدود
تقدم قضية طابا المثال الأوضح على انتقال المعرفة التاريخية من المجال الأكاديمي إلى مجال السيادة الوطنية. فقد انضم يونان لبيب رزق إلى الفريق المصري الذي تولى إعداد الحجج التاريخية والقانونية في النزاع الحدودي مع إسرائيل، وكان دوره الرسمي، كما أثبته نص حكم التحكيم الدولي، خبيرًا ضمن ممثلي جمهورية مصر العربية.

وقد سبق انخراطه الرسمي في الملف بحثٌ مبكر في القضية، ظهر في كتابه «الأصول التاريخية لمسألة طابا: دراسة وثائقية» سنة 1983. وأتاح له تخصصه في التاريخ الحديث وخبرته بالأرشيف أن يسهم في تتبع الخرائط والمراسلات والسجلات المتعلقة بترسيم الحدود بين مصر وفلسطين في مطلع القرن العشرين.

غير أن الدقة تقتضي ألا يُقدَّم استرداد طابا بوصفه بطولةً فردية. فقد كان ثمرة عملٍ جماعي شارك فيه دبلوماسيون وقانونيون ومؤرخون وخبراء عسكريون ومسّاحون. وكان رزق أحد عناصر هذا الفريق المتكامل؛ وتكمن خصوصية إسهامه في أنه مثّل الذاكرة التاريخية داخل الحجة القانونية.

صدر حكم هيئة التحكيم في جنيف في 29 سبتمبر 1988 مثبتًا الموقف المصري في المواقع المتنازع عليها، وتم جلاء آخر جندي إسرائيلي في 15 مارس 1989، ثم رُفع العلم المصري على طابا في 19 مارس من العام نفسه.

والدلالة هنا أبعد من الواقعة السياسية. فقد برهنت طابا على أن الوثيقة ليست ترفًا جامعيًّا، وأن التاريخ ليس مقبرةً للأحداث المنتهية. فالخريطة القديمة، والصورة، والمراسلة الإدارية، ومحضر لجنة الحدود، يمكن أن تصبح جميعها عناصر حاسمة في حماية الحق الوطني.

لقد أثبتت القضية أن الدولة التي تحفظ وثائقها تحفظ قدرتها على إثبات حقوقها؛ وأن المؤرخ، حين يلتزم بالدقة والصبر، قد يؤدي في معركة السيادة دورًا لا يقل أهميةً عن دور الدبلوماسي والقانوني. لم تسترد الوثيقة الأرض وحدها، لكنها منحت الحجة القانونية ذاكرةً لا تستطيع المرافعة المجردة أن تستغني عنها.

رابعًا: القبطي الذي كتب التاريخ المصري من داخله
ينتمي يونان لبيب رزق إلى بيئةٍ قبطية أرثوذكسية، لكنه لم يسمح بأن تتحول هويته الدينية إلى الحدّ الذي تُقرأ من خلاله أعماله كلها. وليس معنى ذلك أنه تجاهل المسألة الطائفية أو لم يكتب فيها؛ فقد شارك سنة 1987 مع فرج فودة وخليل عبد الكريم في كتاب «الطائفية: إلى أين؟»، وهو كتاب تناول الأقباط والمسلمين والحقوق المدنية والطائفية في المجتمع المصري.

ومن ثم فالأدق ألا نقول إنه لم يكتب عن الأقباط إلا عرضًا، بل إنه لم يحوّل القبطيّة إلى اختصاصٍ مغلق أو هويةٍ احتكارية لمشروعه. كتب عن المسألة حين اقتضى النقاش الوطني ذلك، لكنه لم يقدّم نفسه بصفته ممثلًا تاريخيًّا لطائفة، ولم يحصر حقه في كتابة التاريخ المصري في زاوية الأقلية.

وهنا تكمن دلالة اختياره. فالمثقف المنتمي إلى جماعة دينية أقل عددًا قد يُدفع إلى أحد مسارين: الانكفاء على تاريخ جماعته حتى ينغلق المشروع الوطني داخل سردية المظلومية، أو إنكار الخصوصية طلبًا للقبول. أما رزق فسلك طريقًا ثالثًا: حمل انتماءه من غير إنكار، لكنه دخل إلى التاريخ الوطني بوصفه أحد أصحابه، لا بوصفه ضيفًا عليه أو مندوبًا عن طائفة داخله.

كتب عن الوزارات والأحزاب والبرلمان والصحافة وطابا والسودان والشخصيات العامة؛ أي عن التاريخ المصري المشترك. وفي ذلك يلتقي مشروعه، من غير تطابق، مع مفهوم الجماعة الوطنية عند وليم سليمان قلادة: فالجماعة الوطنية لا تتكون من طوائف تتفاوض على حصصها فحسب، بل من مواطنين يشتركون في إنتاج التاريخ وحراسة المؤسسات وتحمل المسؤولية العامة.

لم تكن مواطنته خطابًا دفاعيًّا يثبت به أنه جدير بالانتماء، بل ممارسةً مهنيةً هادئة. عمل أستاذًا جامعيًّا، ورأس مركز الدراسات التاريخية بالأهرام، وشارك في المجلس الأعلى للثقافة والمجلس الأعلى للصحافة ومجلس الشورى، ونال جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية سنة 1995، ثم جائزة مبارك في العلوم الاجتماعية سنة 2004.

ولذلك لم تكن قيمته في أنه «قبطي خدم مصر»؛ فهذه الصيغة تحتفظ ضمنًا بالمسافة التي تزعم تجاوزها. بل كان مصريًّا مارس حقه في كتابة تاريخ بلاده، وكانت قبطيته أحد مكونات شخصه، لا تصريح المرور إلى المجال العام ولا القيد الذي يحصره داخله.

خامسًا: قراءةٌ نفسية — الوثيقة في مواجهة الذاكرة المنقسمة
ينبغي أن تتوقف القراءة النفسية عند حدود الدليل. فلا نملك ما يتيح ردّ مشروع يونان لبيب رزق إلى «قلق أقلية» أو إلى جرحٍ شخصيّ مكبوت، ولا يجوز تحويل انتمائه الديني إلى مفتاحٍ شامل لتفسير تكوينه. فالتحليل النفسي الرصين لا يخترع الدافع حيث تغيب المادة، ولا يعامل الهوية الدينية بوصفها عَرَضًا مرضيًّا ينتظر التأويل.

لكن يمكن تحليل الوظيفة النفسية والاجتماعية لمنهجه الوثائقي. فالذاكرة الجماعية، ولا سيما في المجتمعات التي عرفت الاستعمار والصراع السياسي والتوتر الطائفي، تميل إلى اختزال الماضي في رواياتٍ مطلقة: نحن الضحايا دائمًا، أو نحن الأبرياء دائمًا، أو الخصم هو مصدر الشر كله. وهنا تتحول الذاكرة من أداةٍ للفهم إلى جهازٍ للدفاع النفسي.

وتعمل الوثيقة بوصفها مبدأ واقع في مواجهة هذا التضخم التخيلي. فهي لا تمحو الألم، لكنها تمنع الألم من احتكار تفسير التاريخ. ولا تنفي المظلومية، لكنها تطالب بتحديدها زمانًا ومكانًا وفاعلًا، بدل تحويلها إلى جوهرٍ ثابت يتجاوز كل الوقائع.

ومن هذه الزاوية يشبه عمل المؤرخ ما سمّاه التحليل النفسي العمل من خلال الذاكرة؛ أي الانتقال من التكرار الانفعالي للخبرة إلى استعادتها داخل سياقٍ يمكن فهمه. فالجماعة التي تكرر جرحها من غير تحقيقٍ تظل أسيرةً له؛ أما الجماعة التي تفحص ما جرى، وتفرّق بين الواقعة والأسطورة التي نمت حولها، فتستطيع أن تتذكر من غير أن تجعل الجرح هويتها الوحيدة.

غير أن الوثيقة لا تمارس هذه الوظيفة لأنها محايدةٌ بصورة مطلقة، بل لأنها تُدخل طرفًا ثالثًا بين الذاكرات المتصارعة. فعوض أن تبقى المسألة مواجهةً بين روايتي «أنا» و«الآخر»، تدخل الخريطة أو المحضر أو الصحيفة أو السجل لتفرض سؤالًا مختلفًا: ما الذي يمكن إثباته؟ وما الذي يبقى تأويلًا؟ وما الذي حُذف أو صمت عنه المصدر؟

بهذا المعنى كان مشروع رزق مساهمةً في تنظيم الذاكرة المصرية: لا بإعطاء الجماعة روايةً مريحة عن ذاتها، بل بتعليمها أن تتحمل تعقيد تاريخها.

سادسًا: حدود الوثيقة — الأرشيف ليس بريئًا
غير أن تقدير منهج يونان لبيب رزق لا يقتضي تحويل الوثيقة إلى صنمٍ جديد. فالوثائق لا تسقط من خارج التاريخ، والأرشيف ليس مستودعًا محايدًا يحتفظ بأصوات الجميع على قدم المساواة.

فالدولة تنتج وثائقها من موقع السلطة، والصحيفة تنتقي ما تنشره وفق سياستها وقيود عصرها، والأرشيف يحتفظ غالبًا بأصوات المؤسسات والنخب أكثر مما يحتفظ بأصوات الفقراء والنساء والعمال والمهمشين. وقد يكون الصمت في الوثيقة أحيانًا أكثر دلالةً من الكلام المثبت فيها.

ولهذا لا تكفي الوثيقة وحدها، بل تحتاج إلى نقد الوثيقة: مَن كتبها؟ ولمن؟ وفي أي سياق؟ وما الذي أرادت إثباته أو إخفاءه؟ وما علاقتها بالوثائق المناقضة؟ إن احترام الوثيقة لا يعني الخضوع لها، بل مساءلتها.

وكذلك لا يمكن اتخاذ صحيفة واحدة، مهما بلغت عراقتها، صورةً مكتملة للمجتمع. فأرشيف الأهرام يكشف جوانب واسعة من الحياة المصرية، لكنه يبقى صوتًا مؤسسيًّا له موقعه السياسي والاجتماعي. ومن ثم ينبغي أن يُقرأ إلى جوار صحف أخرى، ومحاضر رسمية، ومذكرات، وروايات شفهية، وسجلات محلية.

ولا ينتقص هذا النقد من مشروع رزق، بل يفتح طريقًا لتطويره. فقد نقل الصحيفة إلى قلب البحث التاريخي، وعلى الأجيال التالية أن توسع الأرشيف ليشمل الأصوات التي لم تمتلك صحيفةً أو وزارةً أو جهازًا يحفظ أوراقها.

خاتمة: من يحفظ وثائقه يحفظ حقه في التاريخ
رحل يونان لبيب رزق في 15 يناير 2008، تاركًا وراءه عشرات المؤلفات، ومئات الدراسات، وتجربةً نادرة في نقل التاريخ من الجامعة إلى الصحافة ومن الأرشيف إلى المجال العام.

لكن ميراثه الأعمق لا يُقاس بعدد الكتب، بل بنوعية العلاقة التي أقامها بين الوثيقة والمواطنة. فقد أدرك أن الأمة التي لا تحقق تاريخها تصبح أسيرةَ من يملك القدرة على اختراعه، وأن الدولة التي تهمل أرشيفها لا تهدد ماضيها فحسب، بل تعرض حقوقها وحدودها وذاكرتها العامة للضياع.

كما جسّد نموذجًا للمثقف القبطي الذي لم يختبئ داخل طائفته، ولم يتنكر لها، ولم يجعل منها بطاقةً للمطالبة بمكان في الوطن؛ بل دخل إلى التاريخ المصري من موقع المالك والمسؤول، وكتب عن مصر كلها لأنها كانت، في وعيه العلمي، تاريخه كله.

لقد كانت الوثيقة عنده أكثر من دليل؛ كانت تربيةً على المسؤولية. فهي تردّ السياسة إلى الوقائع، والهوية إلى التاريخ، والذاكرة إلى مبدأ الواقع. وهي لا تعدنا بإلغاء الخلاف، لكنها تمنع الخلاف من أن يستبيح الحقيقة.

وهنا يتحدد موقع يونان لبيب رزق في تاريخ الفكر المدني المصري: لم يكن منظّرًا للمواطنة على طريقة وليم سليمان قلادة، ولا مهندسًا اجتماعيًّا على طريقة ميلاد حنا، بل كان مؤرخ الشرط المعرفي للمواطنة؛ الرجل الذي برهن أن الجماعة الوطنية لا تحتاج فقط إلى المساواة في القانون، بل إلى ذاكرةٍ مشتركة يمكن تحقيقها ومراجعتها والاحتكام إليها.

فمن لا يملك وثائقه يُكتب تاريخُه عنه، ومن لا ينقد ذاكرته يظل أسيرًا لها. أما الأمة التي تحفظ أرشيفها وتفتحه للعقل النقدي، فإنها لا تضمن العصمة من الخطأ، لكنها تمتلك القدرة على تصحيحه. وتلك هي الوصية الباقية في مشروع يونان لبيب رزق: أن تظل الوثيقة طريقًا إلى مصر المدنية؛ مصر المؤسسة لا الزعامة، والمواطنة لا الحصة، والذاكرة الناقدة لا الأسطورة المغلقة.