الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
حين يصبح الموت قانونًا: قصّة فرنسا مع قانون "المساعدة على الموت"
في ١٥ يوليو ٢٠٢٦، أقرّت الجمعيّة الوطنيّة الفرنسيّة نصًّا يفتح باب «المساعدة على الموت» للأشخاص البالغين المصابين بمرضٍ خطير ولا يُرجى شفاؤه، في مرحلة متقدّمة أو نهائيّة، مع معاناة جسديّة أو نفسيّة مستمرّة، وقدرة على التعبير عن إرادة حرّة ومستنيرة. لكنّ الدقّة هنا ضروريّة: النصّ أُحيل إلى المجلس الدستوريّ قبل صدوره النهائيّ، ومن ثمّ لا ينبغي الكلام عنه بوصفه قانونًا نافذ قبل اكتمال هذه المرحلة.
وقد يسأل بعض الشباب: لو كان الله رحيمًا، فلماذا يمنع مريضًا يتألّم بلا أمل من أن يختار موته؟ أليس تركه في عذابٍ لا يُحتمل هو القسوة الحقيقيّة؟
السؤال مشروع ومؤلم، ولا يستحقّ إجابة سريعة بلغة الوعظ. أوّلًا، لا ينبغي أن نشوّه القانون. فهو لا يتكلّم عن قتلٍ عشوائيّ، فهو يضع شروطًا: مرض خطير وعضال، مرحلة متقدّمة أو نهائيّة، معاناة مستمرّة، قرار حرّ ومستنير، وتدخّل طبّي منظّم. لذلك لا يبدأ الاعتراض المسيحيّ من اتهام كلّ مؤيّدي القانون بالقسوة. فكثير من الناس يدعمه بدافع رحمة صادقة أمام عذابات حقيقيّة.
لكنّ السؤال الحقيقيّ هنا: ماذا يحدث لمجتمعٍ حين يصير الموت المُدبَّر خيارًا مؤسّسيًّا داخل المنظومة الصحيّة نفسها؟
في ظنّي هنا تبدأ المشكلة. فالإنسان في نهاية حياته لا يختار في فراغ. يختار داخل شبكة من الخوف والتعب والوحدة والشعور بأنّه صار عبئًا على أسرته أو على النظام الصحيّ نفسه. وحين يقول مريض: "أريد أن أموت"، فقد يكون يقول أحيانًا: "لا أريد أن أبقى وحدي"، أو "لا أريد أن أرى في عيون الآخرين أنّ وجودي صار ثقيلًا". والخطر أن يجيب القانون عن هذه الصرخات المعقّدة بجواب واحد: "يمكننا تنظيم موتك".
لاهوتيًّا، لا تظهر الخطيئة دائمًا في صورة قسوة مباشرة؛ أحيانًا تظهر في صورة مجتمع فقد صبره أمام الضعف: أمام الشيخوخة والعجز، والإنسان الذي لم يَعُد ينتج أو يردّ الجميل. في تلك اللحظة، يُلجأ إلى الموت بوصفه حلًّا لأن المجتمع لم يَعُد يعرف كيف يحمل كرامة الضعيف.
إنّ المسيحيّة لا تقول فقط: "القتل الرحيم ممنوع"، ثمّ تترك المريض يتألّم. جان-ميشيل لونجنو يذكّر، في دراسة عن الأخلاق المسيحيّة والقتل الرحيم، بأنّ المؤسّسات المسيحيّة تجد معناها في مثال المسيح، وأنّ ما يوجّهها لا ينبغي أن يكون ضغط الاقتصاد أو التقنية أو الموضة، بل خير الإنسان بوصفه ابنًا لله. فالسؤال المسيحيّ هو كيف نخدم المتألّم من دون أن نخون الوصيّة ومن دون أن نتركه وحيدًا؟ التعليم الكنسيّ واضح: القتل الرحيم هو فعل أو امتناع يقصد بذاته إنهاء الحياة من أجل إزالة الألم، وهو انتهاك جسيم لوصيّة الله. لكن الوضوح الأخلاقيّ لا يلغي تعقيد الواقع. فالأخلاق المسيحيّة تعرف طريقين متكاملين: طريق الطاعة للوصيّة «لا تقتل»، وطريق الضمير الذي يميّز في الوضع الملموس أمام الله، مستنيرًا بالتقليد وتعليم الكنيسة. وهذا يعني أنّ المسيحيّ لا يواجه المأساة بشعار جامد، ولكن بضمير مسؤول ومحبة حاضرة.
والنقطة الحاسمة أنّ الطاعة المسيحيّة لا تقف عند المنع. فرفض القتل الرحيم لا يحتفظ بمعناه الإيجابيّ إلا إذا تحوّل إلى ترويج فعليّ للحياة: رعايةحقيقيّة، تسكين ألم، مرافقة نفسيّة وروحيّة، ودعم للأسرة وللمريض. لونجنو نفسه يربط رفض القتل الرحيم بضرورة تطوير الرعاية والمرافقة وكلّ أشكال المساندة التي تجعل طلب الموت غير ضروريّ. لهذا فالموقف المسيحيّ ليس: «اتركوه يتألّم لأن القتل ممنوع». هذا تشويه قاسٍ للمسيحيّة. الموقف المسيحيّ هو: "لا نقتل المتألّم، ولا نتركه وحده في ألمه".
والصليب هنا مهمّ جدًّا. الصليب ليس تمجيدًا للألم، ولا دعوة إلى الصمت أمام العذاب. الصليب هو إعلان أنّ الله لا يترك الإنسان وحده في أقصى لحظات الضعف. المسيح لا يشرح الألم من بعيد، بل يدخل فيه. ومن ثمّ، فالردّ المسيحيّ على من يطلب الموت لا يبدأ بمحاضرة، بل بحضور: "لن نتركك وحدك في هذه الليلة". لذلك تبدو عبارة "الموت بكرامة" مخادعة أحيانًا. فهي تربط الكرامة بالسيطرة: أن أظلّ قادرًا على القرار، مستقلًّا، مالكًا لحظة النهاية. أمّا المسيحيّة فتقول إن الكرامة لا تسقط حين يسقط الجسد، ولا تنقص حين أحتاج إلى من يغسلني أو يطعمني أو يحملني. الإنسان لا يصير أقلّ إنسانيّة حين يتّكل. كلّنا بدأنا الحياة محمولين، وسننهيها غالبًا محمولين. وبين البداية والنهاية نخدع أنفسنا قليلًا بفكرة الاستقلال المطلق.
فماذا نقول للشباب؟
لا نقول لهم: كلّ من يؤيّد هذا القانون شرير. هذا ظلم وكذب. لكن نقول لهم: انتبهوا. ليست كلّ رحمة تحرّر الإنسان. أحيانًا، حين تدخل الرحمة لغة القانون البارد، تتحوّل إلى طريقة أنيقة للتخلّي. والسؤال هنا ليس فقط: هل يحقّ للمريض أن يختار موته؟ ولكن: هل وجد هذا المريض من يرافقه حتى النهاية؟
الإيمان المسيحيّ لا يملك أن يلغي الألم بكلمة. لكنه يرفض تحويل الموت إلى خدمة طبيّة. ويقول، في وجه مجتمع يتعلّم الحياد أمام اليأس: الرحمة ليست أن نساعد الإنسان على الاختفاء، بل أن نبقى معه حين يتمنّى هو نفسه أن يختفي.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





