نادية هنرى
لا يختلف اثنان على أن تحقيق الأمن الغذائي والتنمية المستدامة أهداف وطنية نبيلة، لكن احترام الدستور وسيادة القانون هو الضمان الحقيقي لاستدامة هذه الأهداف. لذلك فإن إقرار القانون لا ينهي النقاش، بل يبدأه.
ومن وجهة نظري، هناك أسئلة دستورية جوهرية ينبغي أن تكون محل حوار مجتمعي:
أولًا: ما هو الأساس الدستوري لإنشاء “جهاز قومي ذو طبيعة خاصة”؟ وهل يمثل هذا الوصف نوعًا جديدًا من أشخاص القانون العام، أم مجرد تسمية تشريعية؟ وما هي آثاره القانونية؟
ثانيًا: هل تتفق الاستثناءات الممنوحة للجهاز من بعض القوانين العامة مع مبدأ المساواة أمام القانون، أم أنها تنشئ نظامًا قانونيًا استثنائيًا دائمًا؟
ثالثًا: إذا كان الجهاز يمارس الاستثمار، وينشئ الشركات، ويدير الصناديق، ويطور مناطق التنمية، فمن هي الجهة التي تراقب أداءه؟ وهل توجد رقابة برلمانية وإدارية وقضائية تتناسب مع حجم اختصاصاته؟
رابعًا: هل يؤدي اتساع اختصاصات الجهاز إلى تداخل مع اختصاصات الوزارات والهيئات القائمة، بما قد يضعف مبدأ المسؤولية الإدارية ويؤدي إلى ازدواجية في اتخاذ القرار؟
خامسًا: هل يجوز أن يكون الجهاز في الوقت نفسه منظمًا للنشاط، ومانحًا للتراخيص، ومستثمرًا داخل ذات النشاط؟ أليس ذلك يثير تساؤلات حول تعارض المصالح ومبدأ حياد الإدارة؟
سادسًا: ما هي الضمانات القانونية التي تكفل تكافؤ الفرص بين الشركات التابعة للجهاز وبين المستثمرين من القطاع الخاص، تطبيقًا للمبادئ الدستورية التي تحكم المنافسة العادلة؟
سابعًا: لماذا يتم إنشاء صندوق سيادي جديد بينما يوجد بالفعل صندوق مصر السيادي؟ وهل يؤدي تعدد الصناديق إلى تعزيز الكفاءة، أم إلى تشتيت الاختصاصات؟
ثامنًا: ما هي معايير قياس نجاح الجهاز؟ وهل يلتزم بنشر تقارير دورية عن الأداء، والعوائد، وإدارة الأصول، حتى يتمكن الرأي العام والبرلمان من ممارسة الرقابة؟
تاسعًا: هل يتوافق اتساع اختصاصات الجهاز مع فلسفة الدستور القائمة على توزيع الاختصاصات بين مؤسسات الدولة، أم أنه ينقل اختصاصات تنفيذية متعددة إلى كيان واحد؟
عاشرًا، وهو السؤال الأهم: كيف نضمن أن يظل هذا الجهاز جزءًا من الدولة المؤسسية، لا بديلًا عنها؟ فالدولة الحديثة لا تُقاس بحجم الكيانات التي تنشئها، وإنما بقدرتها على الحفاظ على التوازن بين الكفاءة، والشفافية، والمساءلة، وسيادة القانون.
إن هذه الأسئلة ليست اعتراضًا على التنمية، ولا تشكيكًا في أهدافها، وإنما هي دفاع عن دولة المؤسسات. فالدستور لا يضع القيود لتعطيل السلطة، بل ليضمن أن تمارسها في إطار من الشفافية، والرقابة، والمساءلة، حمايةً للمال العام، وصونًا لحقوق المواطنين.
فكلما اتسعت صلاحيات أي مؤسسة، وجب أن تتسع معها أدوات الرقابة عليها. وهذه ليست معارضة للدولة، بل هي جوهر الدولة الدستورية نفسها





