الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ 
قبل أن نؤيد أو نرفض أي قضية، ينبغي أن نتفق أولًا على معناها. فكثير من النقاشات حول القتل الرحيم لا تدور حول الشيء نفسه، بل حول تصورات مختلفة للمصطلح. وينطبق الأمر أيضًا على موقف الكنيسة الكاثوليكية. فالكنيسة ليست سلطة تشريعية تفرض قوانينها على المجتمع، ولا تتحدث بلغة الفتوى أو الوعيد أو التهديد، وإنما تقدم رؤية أخلاقية ولاهوتية تساعد المؤمن على تكوين ضميره واتخاذ قراره بحرية ومسؤولية. ولذلك، فمن المهم أن نفهم أولًا ما الذي يقصده القانون، ثم ما الذي تقصده الكنيسة.

في فرنسا، مثلًا، لا يقوم مشروع القانون على أن الطبيب أو الأسرة يقرران إنهاء حياة المريض، كما يظن كثيرون. بل يشترط أن يكون المريض نفسه هو صاحب المبادرة. فلا يجوز للطبيب أن يعرض عليه هذا الخيار، ولا يجوز للأسرة أن تطلبه نيابة عنه. ويشترط المشروع أن يكون الشخص بالغًا، مصابًا بمرض خطير وغير قابل للشفاء، يهدد حياته، ويعاني معاناة لا يمكن تخفيفها بصورة مقبولة وفق المعايير الطبية، وأن يكون قادرًا على التعبير عن إرادته بحرية ووعي كاملين. كما يخضع طلبه لمراحل متعددة من التقييم الطبي، وفترة للتفكير، ومراجعة جماعية للملف. والأصل أن يقوم المريض بنفسه بتناول المادة المميتة، ولا يتدخل الطبيب إلا إذا كان عاجزًا جسديًا عن القيام بذلك.

لكن وجود هذه الضمانات القانونية، مهما بلغت دقتها، لا يعني بالضرورة زوال الإشكال الأخلاقي. فالقانون يستطيع أن ينظم الإجراءات، لكنه لا يستطيع وحده أن يحسم السؤال الأخلاقي.

فما معنى الإرادة الحرة عند إنسان يعيش ألمًا شديدًا، أو اكتئابًا، أو خوفًا من المستقبل، أو شعورًا بأنه أصبح عبئًا على أسرته أو على المجتمع؟ وهل يستطيع الطب أن يجزم دائمًا بأن الرغبة في الموت تعبير عن حرية كاملة، وليست صرخة يأس تحتاج إلى علاج أو إلى رعاية أو إلى مرافقة إنسانية؟ وهل يمكن، مع مرور الزمن، أن تتحول "حرية الاختيار" إلى ضغط اجتماعي غير معلن على المرضى وكبار السن، فيشعر الإنسان بأن من واجبه ألا يكون عبئًا على أسرته أو على نظام الرعاية الصحية؟ ثم ماذا إذا فقد المريض وعيه؟ وماذا لو لم يترك تعليمات مسبقة؟ ومن الذي يحدد أن حياته لم تعد تستحق أن تُعاش؟ هنا لا يعود السؤال طبيًا أو قانونيًا فقط، بل يصبح أيضًا سؤالًا فلسفيًا وأخلاقيًا ولاهوتيًا، يمس معنى الكرامة الإنسانية وحدود سلطة الإنسان على الحياة.

وهنا يأتي موقف الكنيسة الكاثوليكية، الذي كثيرًا ما يُساء فهمه. فالكنيسة لا تدعو إلى إطالة الحياة البيولوجية بأي ثمن، ولا تعتبر أن كل إيقاف للعلاج هو قتلًا رحيمًا. وفي الفقرات 2276-2279 من التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، نجد تمييزًا دقيقًا بين أربعة أمور.

أولًا، تؤكد الكنيسة أن المرضى والمحتضرين يظلون أصحاب كرامة كاملة، ويستحقون الرعاية والاحترام حتى اللحظة الأخيرة (2276).

وثانيًا، ترفض رفضًا قاطعًا أي فعل أو امتناع يكون قصده المباشر إحداث الموت، حتى لو كان الهدف إنهاء الألم، لأن إنهاء الحياة لا يُعد علاجًا للمعاناة، بل يناقض كرامة الإنسان (2277).

وثالثًا، تقر بأن للمريض الحق في رفض العلاجات المرهقة أو الخطرة أو غير المتناسبة مع الفائدة المرجوة منها. فالامتناع عن علاج غير مجدٍ ليس قتلًا للمريض، بل رفضٌ لما يسمى «الإفراط العلاجي» (2278).

ورابعًا، تجيز استعمال المسكنات القوية لتخفيف الألم، حتى لو كان من آثارها الجانبية المحتملة تقصير العمر، ما دام المقصود هو تسكين الألم لا التسبب في الوفاة. كما تؤكد ضرورة استمرار الرعاية الأساسية الواجبة للمريض (2279).

ولهذا لا تضع الكنيسة جميع صور إيقاف العلاج في سلة واحدة، بل تميز بين وقف علاج لم يعد يحقق فائدة حقيقية، وبين التدخل المباشر بقصد إنهاء الحياة. ولعل الأمثلة توضح الفرق أكثر من التعريفات:

فمريض بالسرطان في مرحلته الأخيرة يرفض علاجًا كيميائيًا لن يضيف إلا أيامًا قليلة من الألم؛ هذا ليس قتلًا رحيمًا.

ومريض يتلقى جرعات مرتفعة من المورفين لأن آلامه لا تُحتمل، مع العلم بأن ذلك قد يسرّع وفاته؛ هذا أيضًا ليس قتلًا رحيمًا، لأن المقصود هو تخفيف الألم لا إنهاء الحياة.

أما إعطاء حقنة قاتلة، أو وصف دواء بقصد إنهاء الحياة، أو الامتناع عن الطعام أو الماء أو غيرهما من وسائل الرعاية الأساسية بقصد التعجيل بالموت، فهنا نكون أمام القتل الرحيم بالمعنى الدقيق الذي ترفضه الكنيسة.

وربما يختلف الناس في الإجابة، لكن السؤال نفسه يستحق أن يُطرح:
هل يقتصر الأمر على حق الإنسان في اختيار موته، أم أن السؤال الأعمق هو: أي صورة للإنسان نبنيها؟ وأي حضارة نؤسس لها عندما يصبح إنهاء الحياة أحد الحلول التي يقدمها المجتمع لمواجهة الألم والمعاناة؟

فالقضية، في النهاية، ليست قضية قانون فقط، بل قضية رؤية للإنسان، ولمعنى الكرامة، ولنمط المجتمع الذي نريد أن نتركه للأجيال القادمة.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ