د. ماجد عزت إسرائيل
تُعد مطبعة دير مار يعقوب الأرمنية في القدس واحدة من أبرز المؤسسات الثقافية التي أسهمت في حفظ الهوية الأرمنية في المشرق، إذ لم تكن مجرد مطبعة لإنتاج الكتب، بل كانت امتدادًا للدور الروحي والتعليمي للبطريركية الأرمنية في المدينة المقدسة.
منذ نشأتها في القرن التاسع عشر، ارتبطت المطبعة بحياة الأرمن في القدس، وبخاصة داخل الحي الأرمني ودير مار يعقوب، حيث ساهمت في طباعة الكتب الدينية والتعليمية والتاريخية، ودعمت المدارس والمكتبات، وساعدت على حفظ اللغة الأرمنية بين أبناء الجماعة، في بيئة متعددة اللغات والثقافات.
ولعبت المطبعة دورًا مهمًا في تنشيط حركة الترجمة، ولا سيما بين الأرمنية والعربية، مما أتاح قدرًا أكبر من التواصل بين الأرمن وسائر الطوائف والجماعات في القدس. فالترجمة هنا لم تكن مجرد نقل كلمات من لغة إلى أخرى، بل كانت جسرًا ثقافيًا وإنسانيًا للتعارف، وتبادل المعرفة، وفهم تاريخ المدينة ومكوناتها المتعددة.
كما ارتبط نشاط المطبعة بحفظ الذاكرة الأرمنية، من خلال الاهتمام بالمخطوطات والوثائق والكتب، وهو ما جعلها جزءًا من منظومة ثقافية متكاملة تضم الكنيسة والمدرسة والمكتبة. ومن هذا المناخ الثقافي خرج اهتمام أرمني واسع بالفنون والفوتوغرافيا والتوثيق، بما يعكس حضورًا حضاريًا مميزًا للأرمن في القدس.
إن تجربة مطبعة دير مار يعقوب تكشف أن الطباعة لم تكن في التاريخ الأرمني مجرد وسيلة تقنية، بل كانت أداة للبقاء الثقافي، وحماية اللغة، وصيانة الذاكرة، والانفتاح على الآخر. ومن هنا تظل هذه المطبعة شاهدًا مهمًا على قدرة الجماعات التاريخية في القدس على حفظ خصوصيتها، وفي الوقت نفسه المشاركة في صنع المشهد الثقافي والإنساني للمدينة المقدسة.





