الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
رحل أمسٍ أحد أعمدة الدراسات المسيحية العربية والسريانية: الأب سيدني جريفث (١٩٣٨–٢٠٢٦)

برحيل الأب جريفث، الأمريكيّ، فقدت الدراسات المسيحية الشرقية واحدًا من أهمّ علمائها في العقود الأخيرة. لم يكن الأب سيدني جريفث فقط باحثًا في السريانية أو العربية المسيحية، بل كان من الذين أعادوا اكتشاف التراث المسيحي العربي، وأثبتوا للعالم أن المسيحية لم تكن يومًا غريبة عن اللغة العربية أو الثقافة العربية.

تميّزت أبحاثه بعمقها العلمي وابتعادها عن الأحكام الأيديولوجية. كتب عن القديس أفرام السرياني، والرهبنة السريانية، واللاهوت المسيحي العربي، واللقاء التاريخي بين المسيحيين والمسلمين في القرون الأولى للإسلام، فصار مرجعًا لا غنى عنه لكل باحث في هذا المجال.

من أشهر كتبه The Church in the Shadow of the Mosque، الذي غيّر الطريقة التي يُقرأ بها تاريخ المسيحيين في ظل الحضارة الإسلامية، وكتابه The Bible in Arabic، الذي كشف التاريخ الطويل لترجمة الكتاب المقدس إلى العربية، بالإضافة إلى تحقيقاته وترجماته لنصوص يحيى بن عدي وثيئودوروس أبي قرة وغيرهما من أعلام المسيحية العربية.

لكن ما كان يميزه أكثر من علمه هو تواضعه وسخاؤه الأكاديمي. كل من عرفه يذكر استعداده الدائم لمناقشة نص، أو مساعدة طالب، أو مشاركة فكرة من دون أي تكلف. كان نموذجًا للعالِم الذي يرى في المعرفة خدمة، لا وسيلة للشهرة.

لقد كان للأب سيدني جريفث فضل كبير في أن يأخذ التراث المسيحي العربي مكانه المستحق في الجامعات العالمية، وأن يفتح آفاقًا جديدة للحوار المسيحي–الإسلامي القائم على المعرفة التاريخية الدقيقة، لا على الصور النمطية.

المجد للعلماء الذين يرحلون، لكن تبقى كتبهم وتلاميذهم شاهدة على عطائهم.

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ