مثل السامري الصالح... لمّا الحرفية تختفي فجأة!
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
في إنجيل لوقا (١٠: ٢٥-٣٧)، المسيح حكى مثل السامري الصالح. راجل وقع بين اللصوص، ضربوه وسابوه بين حي وميت. عدّى عليه كاهن، وبعده لاوي، وكل واحد بصّ عليه وكمل طريقه.
لكن السامري وقف، وضمد جراحه بالزيت والخمر، وركّبه على دابته، وودّاه فندق، ودفع لصاحب الفندق دينارين وقال له: اعتني بيه، ولو صرفت أكتر أنا هحاسبك لما ارجع. وفي الآخر قال المسيح: «اذهب أنت أيضًا واصنع هكذا».
طبعًا مفيش حد بيطبق المثل ده بحرفيته النهارده، ولا أظن إن حد بينزل من بيته كل صباح راكب حمار، ومعاه زيت وخمر ودينارين، مستني أول مصاب يقابله! وده طبيعي جدًا، لأن كلنا فاهمين إن وسائل القرن الأول مش هي وسائل القرن ال ٢١.
النهارده لو لقيت حد عامل حادث، فأفضل حاجة غالبًا تعملها إنك تتصل بالإسعاف فورًا، لأنك لو حركته ممكن تزود إصابته، وممكن كمان تعرّض نفسك للمساءلة القانونية. يعني إحنا كلنا، من غير ما نحس، بنراعي سياق النص: بنحافظ على هدفه، وهو الرحمة حتّى مع الأعداء، لكن بنطبقه بوسائل عصرنا.
بس هنا يبدأ السؤال المزعج: ليه الفهم ده بيختفي فجأة مع نصوص تانية؟ النص ده ينفع يكون ضد المرأة؟ يبقى ناخده حرفي. ينفع ضد الآخر والغريب؟ يبقى ناخده حرفي. ينفع ندين بيه الناس؟ يبقى ناخده حرفي. لكن رحمة ومحبة العدو؟ وعدم الإدانة؟ لا لا... ده نصّ رمزي فهمي نظمي، وسياقي، ولازم نفهم ظروف العصر!
الأجمل بقى، تخيلوا السامري الصالح لو وصل بالجريح لبعض كنائسنا النهارده وقال لهم لو سمحتوا، الراجل ده بيموت، ممكن تساعدوه؟ هيسألوه وش كده: طبعًا... معاه جواب من أب اعترافه؟ أو طيب، من أي كنيسة؟». إحنا عندنا كنايس النهاردة في مصر لو حد بيطلب مساعدة من خدمة اجتماعية، فبيقولوا له: هات شهادة المعمودية، وجواب أب الاعتراف. الراجل لسه بينزف... لكن الحمد لله الإجراءات سليمة!
أنا فاهم إن أي كنيسة ليها إمكانيات محدودة، وإن فيه خدمات تنظيمية خاصة بأبناء الرعية، لكن لما يبقى أول سؤال قبل الرحمة هو: من طايفتنا ولا لأ؟ يبقى إحنا محتاجين نقرأ مثل السامري الصالح من أول وجديد. المسيح ما اختارش السامري عبث. كان ممكن يخلي بطل القصة كاهن أو لاوي، لكنه اختار واحد اليهود كانوا بيعتبروه غريبًا ومختلفًا. الرسالة كانت واضحة: الرحمة قبل الهوية، والإنسان قبل الطائفة.
في الآخر، المشكلة مش في الحرفية ولا في الرمزية، لأننا كلنا بنفسّر النصوص حسب سياقها لما نحب. المشكلة في "الانتقائية". بنتمسك بالحرفية لما النص يدينا سلطة على غيرنا، لكن أول ما النص يطالبنا نحب أكتر، ونغفر أكتر، ونفتح قلبنا للغريب، فجأة نفتكر إن لازم نفهم "روح النص" و"ظروف العصر". واضح إن المشكلة عمرها ما كانت في طريقة قراءة الكتاب المقدس، المشكلة كانت دايمًا في إحنا عايزين الكتاب المقدس يقول إيه.
وختامًا أوجّه تحيتي للكاهن اللي رد على سؤال طفل، إزاي كاهن شاف الضحية وطنش؟ فكان ردّه: أصل ده كاهن يهوديّ!
للإبرة وخزاتٌ أخرى:
#الإبرةالمصدّيّة





