الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
من أكثر الأمور التي تثير دهشتي في الأصوليّة أنها لا تكتفي باختيار رأي من بين الآراء، بل تحذف بقية الآراء من التاريخ، ثم تعلن بكل ثقة: "هذا هو رأي الآباء!"
فتجد أحدهم يقتبس من القديس باسيليوس الكبير قوله «إن العشب هو عشب، والسمك هو سمك، وأن أيام الخلق تُؤخذ كما هي»، ثم يقول لك: "هذا هو تفسير آباء الكنيسة." إذًا لماذا لم يخبرنا الأصوليّ أن أوريجانس، قبل باسيليوس، رفض القراءة الحرفية للأيام الستة؟ ولماذا لم يخبرنا أن أغسطينوس، أحد أعظم آباء الغرب، رأى أن الله خلق كل شيء دفعة واحدة، وأن تقسيم الخلق إلى ستة أيام ليس تقريرًا زمنيًا ولكن أسلوبًا تربويًا يقود القارئ خطوةً خطوة إلى فهم عمل الله؟ ولماذا لم يخبرنا أن هذا النقاش نفسه قديم قِدم المسيحية، وأنه لم يبدأ بعد داروين كما يتصوّر البعض، بل كان حاضرًا منذ القرون الأولى؟ هذه هي المشكلة الدائمة مع الأصولية: "الانتقاء". تأخذ أبًا واحدًا، ثم تحوله إلى "إجماع الآباء"، مع أن التاريخ يقول غير ذلك.
لكن المشكلة الأعمق هي أننا نسأل سفر التكوين السؤال الخطأ. نحن نسأله: "كيف خلق الله العالم؟"بينما يريد السفر أن يجيب عن سؤالٍ آخر تمامًا: ما معنى أن العالم مخلوق؟ ومن أين جاءت الخليقة؟ ومن الإنسان، وما مكانه فيها؟ فليس مصادفةً أن ينتهي السرد بيوم الراحة، وأن يُقدَّم الكون كله في صورة هيكلٍ منظم، وأن يُصوَّر الإنسان بوصفه صورة الله ووممثّله في الخليقة. فاهتمام النص ليس بوصف التفاعلات الفيزيائية أو البيولوجية، بل بإعلان أن الكون ليس فوضى، وليس وليد صراع بين الآلهة كما في أساطير الشرق القديم، بل هو خليقة صالحة خرجت من إرادة إله واحد، وأن الإنسان ليس عبدًا للطبيعة، بل يحمل كرامة فريدة لأنه مخلوق على صورة الله ومثاله، وأنّ الرجل والمرأة معًا هما الإنسان، متساويان في الكرامة.
ولهذا لم تجد الكنيسة نفسها مضطرة إلى اختيار أحد طرفين: إما الكتاب المقدس أو العلم. فالتعليم المسيحي نفسه يقول إن رواية الأيام الستة تعرض مشروع الخلق "بطريقة رمزية"، وأن الغاية منها هي تعليم حقائق الخلق التي أوحى بها الله من أجل خلاص الإنسان، لا تقديم كتاب في الفيزياء أو الجيولوجيا.
لهذا، عندما يخبرني عالم الأحياء كيف تطورت الكائنات الحية، فهو يجيب عن سؤال علمي مشروع. وعندما يخبرني سفر التكوين أن العالم خليقة، وأن له خالقًا، وأن للإنسان كرامة ورسالة، فهو يجيب عن سؤال آخر لا يستطيع المختبر أن يجيب عنه. إذًا، القضية ليست: ستة أيام أم مليارات السنين؟ القضية هي: هل نقرأ النص بالسؤال الذي أراد هو أن يجيب عنه، أم نفرض عليه أسئلتنا ثم نتهمه بأنه لم يجب؟
وهذه، في رأيي، هي الإبرة التي تؤلم الأصولية أكثر من أي نقاش حول التطور نفسه. لأن معركتها الحقيقية ليست مع داروين ولكن مع طريقة قراءة النصوص.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
للإبرة وخزاتٌ أخرى...





