الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
يظنّ بعض الناس أنّ الكنيسة الكاثوليكيّة، حين تتحدث عن "القتل الرحيم (Euthanasia)" بوصفه تصرّفًا غير أخلاقي ينتهك كرامة الإنسان، تريد للمريض أن يتألّم حتى النهاية. ويظنّ آخرون أنّ هذه المواقف تصدر من رجال دين بعيدين عن الطب، وكأنها قرارات تُتخذ في أبراج عاجية. والحقيقة أنّ الأمرين غير صحيحين. فالكنيسة تشجّع بقوّةٍ "الرعاية التلطيفية" أو التسكينية (Palliative Care)، بل ترى فيها البديل الإنساني والأخلاقي الحقيقي للقتل الرحيم. وتهدف هذه الرعاية إلى تخفيف الألم الجسدي والنفسي والروحي، مع الحفاظ على كرامة المريض ومرافقته حتى نهاية حياته. كما تؤيد الكنيسة استخدام أقوى المسكنات، بما فيها المورفين (Morphine)، متى كان الهدف هو تسكين الألم، وليس إنهاء حياة المريض.
كما أنّ الموقف الأخلاقي الكاثوليكي لا يُصاغ بعيدًا عن العلم. فالكنيسة تمتلك عشرات الجامعات العريقة، يعود تاريخ بعضها إلى العصور الوسطى، وتضم كليات طب، ومستشفيات جامعية، ومراكز أبحاث طبية، ويشارك في صياغة هذا الفكر أطباء، ومتخصصون في أخلاقيات الطب (Bioethics)، إلى جانب لاهوتيين علمانيين، ورهبان وراهبات، وكهنة. فالقرار الأخلاقي لا يقوم على النصوص الدينية وحدها، بل يستند أيضًا إلى المعرفة الطبية والعلمية.
ولهذا، فالكنيسة لا تطالب بالاستمرار في أي علاج مهما كان. فإذا وصل الأطباء إلى قناعة بأن جهازًا أو علاجًا لم يعد يحقق منفعة علاجية حقيقية، ولن يفعل سوى إطالة عملية الاحتضار أيامًا أو أسابيع، فإن الامتناع عنه أو إيقافه قد يكون قرارًا أخلاقيًا ومشروعًا، إذا أصبح علاجًا غير متناسب أو غير مجدٍ. فالمقصود هنا ليس إحداث الموت، بل الامتناع عن إطالة عملية الاحتضار بعلاج لم يعد يفيد المريض. ومع ذلك، يبقى واجب الطبيب والفريق الطبي هو الاستمرار في العناية بالمريض، وتخفيف ألمه، ومرافقته حتى النهاية.
الفرق إذًا جوهري: القتل الرحيم (Euthanasia) يجعل من الموت وسيلةً لإنهاء المعاناة. أما الرعاية التلطيفية (Palliative Care) فتقول: قد لا نستطيع شفاء المرض، لكننا سنخفف الألم، ونصون كرامة الإنسان، ونبقى إلى جواره حتى آخر لحظة. فالرحمة الحقيقية لا تُنهي الألم بقتل المتألّم، بل تُخفف الألم بمرافقة المتألّم.
وأخيرًا، أتمنى من الأطباء في العالم العربي، وفي مصر خصوصًا، أن يفيدونا من خبراتهم. ما هو واقع الرعاية التلطيفية (Palliative Care) في بلداننا؟ أهي متاحة أصلًا؟ وهل يحصل كل مريض في نهاية حياته على حقه في تسكين الألم؟ وما هو الوضع القانوني لفصل أجهزة الإنعاش أو إيقاف علاج يعلم الأطباء أنه لن يحقق أي منفعة علاجية، ولن يفعل سوى إطالة الاحتضار أيامًا أو أسابيع؟
أظن أن علينا أن نختار معركتنا الحقيقية بصدق ونزاهة. هل واجبي بصفتي مواطنًا، وواجب الطبيب، أن نطالب أولًا بمنظومة صحية تحمي الإنسان، وتضمن الرعاية التلطيفية، وتدعم الأسر، وتضع ضوابط واضحة للعلاج غير المجدي؟ أم أن الأسهل هو أن نتجاوز كل هذه الأسئلة، ونطالب بحق المريض في أن يقرّر "القتل الرحيم (Euthanasia)، فيرتاح المجتمع من مسؤوليته قبل أن يرتاح المريض من ألمه؟
أحيانًا يبدو أن بعض المجتمعات، بعدما عجزت عن علاج الألم، فقررت أن تنهي حياة صاحب الألم. وهذه ليست رحمة، بل اعتراف بالإخفاق.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





