محمد نبيل المصري
المحرمات المشتركة في الاديان هي التضليل والسرقة والادعاء الكاذب والجحود 

ورد في الأمالي للقاضي عبد الجبار – إمام المعتزلة – حديثٌ يُنسب إلى صحيفة في سيف رسول الله ﷺ، جاء فيه:

ملعونٌ من أضلَّ أعمى عن السبيل، وملعونٌ من سرق تُخوم الأرض، وملعونٌ من تولّى غير مواليه، وملعونٌ من جحد نعمةً أُنعم بها عليه.

سواء نُظر إلى هذا النص من جهة الاحتجاج الفقهي أو من جهة دلالته الأخلاقية، فإن معانيه تطرح منظومة متكاملة لحماية الإنسان والمجتمع من الخيانة والتضليل والاعتداء على الحقوق.

أولًا: ملعون من أضل أعمى عن السبيل

المعنى المباشر واضح؛ فمن يستغل إنسانًا فاقد البصر، أو يرشده عمدًا إلى طريق خاطئ، أو يتركه يقع في الخطر وهو قادر على مساعدته، فقد ارتكب فعلًا بالغ القبح، لأنه جمع بين ضعف الضحية وسوء نية الفاعل.

لكن التأمل في المعنى يكشف أن لفظ الأعمى لا يقتصر على فاقد البصر وحده، بل يمكن أن يُفهم أيضًا على سبيل المعنى العام لكل من يجهل أمرًا ويعتمد على غيره طلبًا للهداية والإرشاد. فالإنسان قد يكون بصير العين، لكنه “أعمى” في الطب، أو القانون، أو الدين، أو الاقتصاد، أو الهندسة، أو أي مجال يفتقر فيه إلى المعرفة.

ومن هنا تتسع الدلالة الأخلاقية للنص، دون أن نزعم أن هذا هو المقصود الحصري منه، لتشمل كل من يستغل جهل الناس ويقودهم إلى الخطأ عن عمد أو عن استهتار.

فمن يفتي بغير علم، أو يقدم نفسه خبيرًا فيما لا يحسن، أو يجيب بثقة وهو لا يعلم، ثم يوقع الناس في الضرر، فإنه يدخل في روح هذا التحذير.

ولهذا قال العلماء قديمًا: من قال لا أعلم فقد أفتى؛ لأن الاعتراف بالجهل عند الحاجة فضيلة، أما ادعاء المعرفة فهو باب من أبواب الإضلال.

وفي عصرنا أصبحت صور هذا الإضلال أكثر انتشارًا. فالمؤثر الذي ينشر معلومات طبية خاطئة دون اختصاص، أو يروج علاجًا بلا دليل علمي، أو ينصح الناس بإيقاف أدويتهم اعتمادًا على تجارب شخصية، قد يكون سببًا في مرض أو وفاة إنسان.

وكذلك من ينشر معلومات قانونية مضللة، أو يفسر نتائج الأبحاث العلمية بطريقة خاطئة، أو يبث شائعات اقتصادية تؤدي إلى خسائر الناس، أو يستخدم الذكاء الاصطناعي لإنتاج معلومات مزيفة وهو يعلم عدم صحتها، كل هؤلاء يوقعون الناس في الضلال بعد أن وثقوا بهم.

بل حتى في أبسط الصور اليومية، إذا سألك شخص عن طريق، ولم تكن تعرفه، ثم دللته على اتجاه عشوائي بدافع “الفهلوة” أو الحرج من قول “لا أعرف”، فأنت قد مارست صورة صغيرة من هذا السلوك المذموم. ولذلك فإن قول “لا أعلم” أكثر أمانة من اختراع إجابة.

إن النص يرسخ مبدأ أخلاقيًا خالدًا: كل من وثق بك طالبًا للهداية في أمر تجهله، فلا يجوز أن تخدعه أو توهمه أنك تعلم.

ثانيًا: ملعون من سرق تُخوم الأرض
كانت التخوم هي علامات الحدود بين الأراضي. وكان بعض الناس ينقل هذه العلامات ليلًا ليضم جزءًا من أرض جاره إلى أرضه، فيبدو كأنه لم يسرق شيئًا، بينما هو في الحقيقة اغتصب حقًا ثابتًا.

ولهذا جاء التشديد في النص، لأن الجريمة ليست في قيمة الجزء المسروق، بل في الاعتداء على الملكية والحقوق.

وهذا المبدأ لا يقتصر على الأراضي الزراعية، بل يمتد إلى كل صور الاعتداء على ملكية الآخرين.

فمن يزور العقود، أو يستولي على ممتلكات الناس، أو يسرق الأموال العامة، أو يحتال على الورثة، أو يعتدي على حقوق الشركاء، فإنه يشارك في المعنى نفسه.

وفي عصرنا توسعت الملكية لتشمل الملكية الفكرية أيضًا؛ فسرقة كتاب، أو بحث علمي، أو اختراع، أو برنامج، أو تصميم، أو نسب عمل الآخرين إلى النفس، كلها صور من الاعتداء على حقوق أصحابها، وإن اختلفت الوسائل.

كما يدخل في ذلك الانتحال الأكاديمي، وتزوير الشهادات، وسرقة المحتوى، ونسب الإنجازات إلى غير أصحابها، لأن جوهر الجريمة واحد: أخذ ما ليس لك.

فالحديث يلفت النظر إلى أن الظلم لا يُقاس بحجم الشيء المسروق، وإنما بانتهاك الحق نفسه، ولو كان يبدو صغيرًا.

ثالثًا: ملعون من تولّى غير مواليه
كان لهذا الحكم في الأصل بعدٌ اجتماعي وقانوني يتعلق بالولاء والانتساب والحقوق المترتبة عليه في المجتمع القديم.

وجوهره الأخلاقي هو تحريم الانتساب الكاذب، والغش في الهوية، ونقض العلاقات القائمة على الصدق والأمانة.

وفي صوره الحديثة يمكن أن يدخل فيه الادعاء الكاذب للانتماء إلى مؤسسة، أو تزوير الصفة المهنية، أو ادعاء شهادات لم يحصل عليها الإنسان، أو الانتحال الذي يترتب عليه الحصول على مزايا أو ثقة لا يستحقها.

فالرسالة العامة هي احترام الحقيقة، وعدم بناء المكانة أو الحقوق على الكذب.

رابعًا: ملعون من جحد نعمة أُنعم بها عليه
هذا الجزء لا يدعو فقط إلى شكر الله، بل يشمل أيضًا شكر الناس وعدم إنكار فضلهم.

فمن يتلقى معروفًا ثم يقابله بالجحود، أو ينكر فضل معلمه، أو يتبرأ ممن ساعده بعد أن استفاد منه، فإنه يرتكب خُلقًا مذمومًا يهدم الثقة بين البشر.
 والشكر ليس مجرد كلمات، بل هو الاعتراف بالفضل، وحسن التعامل، ورد الجميل عند القدرة.

تأكيد هذه المعاني في الكتاب المقدس

وتجد هذه المبادئ الأخلاقية نفسها حاضرة في الكتاب المقدس أيضًا، مما يدل على أن الصدق، وحفظ الحقوق، وعدم تضليل الناس، وشكر أصحاب الفضل، قيم إنسانية مشتركة بين الرسالات.

فقد ورد في سفر التثنية (27:18): «ملعونٌ من يُضلُّ الأعمى عن الطريق.»، وهو نص يوافق المعنى المباشر للتحذير من استغلال ضعف الإنسان أو تضليله عمدًا.

وجاء أيضًا في سفر التثنية (27:17): «ملعونٌ من ينقل تُخم صاحبه.»، في إدانة واضحة للتعدي على حدود أملاك الآخرين وسرقة الحقوق ولو بتغيير علامات الأرض.

كما يحذر الكتاب المقدس من الشهادة الكاذبة والادعاء الباطل، ففي سفر الخروج (20:16): «لا تشهد على قريبك شهادة زور.»، وفي سفر الأمثال (12:22): «كراهة الرب شفتا كذب، أما العاملون بالصدق فرضاه.»

أما الوفاء بالمعروف وعدم جحود الإحسان، فيؤكد عليه سفر الأمثال (3:27): «لا تمنع الخير عن أهله حين يكون في طاقة يدك أن تفعله.»، كما يحث العهد الجديد على الامتنان والشكر في مواضع كثيرة، منها قول الرسول بولس: «كونوا شاكرين.» (كولوسي 3:15).

وتبين هذه النصوص أن احترام الحقيقة، وصيانة الحقوق، والوفاء، والأمانة، ليست فضائل خاصة بثقافة أو دين بعينه، بل هي أسس أخلاقية اتفقت عليها الرسالات الدينية، لأنها تحفظ كرامة الإنسان واستقرار المجتمع.

رسالة الحديث اليوم

إذا جمعنا هذه الفقرات الأربع وجدنا أنها تحارب أربعة أمراض ما زالت المجتمعات تعاني منها حتى اليوم:

١- تضليل الجاهل واستغلال ثقة الناس.

٢- الاعتداء على الحقوق والممتلكات مهما صغرت.

٣- الكذب في الهوية والانتماء والصفة.

٤- جحود المعروف وإنكار الفضل.

إنها مبادئ أخلاقية تتجاوز الزمان والمكان، وتؤكد أن المجتمع لا ينهض بالذكاء وحده، بل بالأمانة أيضًا. فمن يعلم فليقل الحق، ومن يجهل فليقل: لا أعلم، ومن اؤتمن على حق فليؤده، ومن نال فضلًا فليشكر أهله. فبذلك تُصان الثقة بين الناس، ويصبح العلم هداية لا وسيلة للإضلال، والملكية حقًا لا غنيمة، والعلاقات الإنسانية قائمة على الوفاء لا على الجحود.