كريم كمال
هناك لحظات في التاريخ لا تُقاس بالزمن بل تقاس بما تتركه في القلوب والضمائر والذاكرة الروحية للأمم ومن بين هذه اللحظات تبرز لحظة دخول الشاب نظير جيد روفائيل إلى دير السيدة العذراء السريان بوادي النطرون في يوم ١٨ يوليو ١٩٥٤ ليبدأ رحلته الرهبانية باسم الراهب أنطونيوس السرياني.
لم يكن أحد يتخيل أن هذا الشاب الهادي المتواضع الباحث عن الوحدة سيصبح لاحقًا البابا شنودة الثالث أيقونة لا تتكرر وصوتا من أصوات الآباء في القرن العشرين والواحد والعشرين.
منذ اللحظة الأولى عاش الراهب أنطونيوس السرياني حياة رهبانية أصيلة حياة لا تعرف المظاهر ولا تبحث عن الكرامة لقد كان راهبا بكل ما تحمله الكلمة من معنى زاهدا ناسكا محبا للصمت عاشقا للكتاب المقدس متوحدا في قلايته يحمل في قلبه نارا روحية لا تنطفئ وقد رأى فيه عمود الرهبنة المنير الأنبا ثيوفيلوس رئيس دير السريان ملامح الراهب الحقيقي الذي يحمل في داخله بذرة نهضة جديدة فاحتضنه وفتح أمامه أبواب المعرفة الروحية واللاهوتية.
لكن ما لم يكن أحد يتوقعه هو أن هذه الرهبنة الهادئة ستصبح بداية عصر كامل من النهضة في الرهبنة القبطية فقد حمل الراهب أنطونيوس السرياني روح الدير معه أينما ذهب سواء عندما صار أسقفًا للتعليم أو عندما جلس على الكرسي المرقسي لم يتغير لم يتبدل لم يتخله عن نسكه أو زهده أو صلاته أو اتضاعه وظل هو الراهب نفسه لكنه صار راعيا ومعلما وقائدا وصوتا قويا في الدفاع عن الإيمان.
عندما اختير أسقفا للتعليم قدم للكنيسة خطابا لاهوتيًا وروحيا متماسكا أعاد صياغة الوعي الكنسي لجيل كامل.
كان صوته قويا وكلمته واضحة وتعليمه ممتدا من مدرسة الآباء وفي هذا الدور تحديدا بدأ كأنه امتداد حي للقديس أثناسيوس الرسولي المدافع الأول عن الإيمان في القرن الرابع ولهذا استحق لقب أثناسيوس القرن العشرين والواحد والعشرين ليس مجاملة بل حقيقة عاشتها الكنيسة وشهدها الملايين.
وعندما جلس على الكرسي المرقسي عام ١٩٧١ لم تتغير ملامح شخصيته ظل الراهب الناسك الذي يعيش البساطة ويبحث عن الوحدة ويصلي بعمق ويكتب بروح الآباء لكنه حمل مسؤولية القيادة بروح الأب الراعي فقاد الكنيسة في مرحلة صعبة من تاريخها ونجح في أن يجعلها أكثر حضورا وتاثيرا سواء في مصر أو في العالم.
كان صوته مسموعا وكلمته مؤثرة وتعليمه مرجعا لجيل كامل من الأساقفة والكهنة والرهبان والخدام والشعب.
لقد قدم نموذجا فريدا للراهب الذي يصبح أسقفا ثم بابا دون أن يفقد هويته الأولى.
ظل حتى آخر لحظة في حياته ناسكا زاهدا يعيش البساطة ويقدّم المحبة ويعلّم بالاتضاع لم يعط مثيلًا في صفاته ومواهبه فقد جمع بين قوة العقل وعمق الروح وبلاغة الكلمة وحنان الأب وشجاعة القائد ولهذا صار أنطونيوس القرن العشرين والواحد والعشرين وأثناسيوس العصر وذهبي الفم الجديد وأيقونة لا تتكرر في تاريخ الكنيسة والوطن.
وبعد مرور أكثر من سبعين عاما على يوم رهبنته ما زال يعيش في قلوب الملايين ليس لأنه كان بابا فقط بل لأنه كان راهبا حقيقيا وصورة نقية للرهبنة القبطية ورمزًا للاتضاع والمحبة والقداسة.
لقد كانت حياته كلها رسالة وكانت رهبنته بداية عصر كامل من النهضة الروحية التي لا تزال الكنيسة تجني ثمارها حتى اليوم.
إن الحديث عن البابا شنودة الثالث هو حديث عن قديسٍ عاش الإيمان بصدق ودافع عنه بشجاعة وعلمه بمحبة وترك اثرا لا يمحى في تاريخ الكنيسة القبطية لذلك مازال الشعب يعتبر مجرد ذكر اسمة هو ذكر لإيمان وعقيدة الكنيسة وتعاليم الاباء الاولين.
سوف اظل فخورا اني عيش في زمن ذلك العملاق … زمن القديس البابا شنودة فخر الرهبنة القبطية وراعيها الامين الذي ليس له نظير.





