أحمد الخميسي
في الأسبوع الماضي أثارت قضية لؤة خلف المحامية انتباه ومتابعة الكثيرين في وسائل التواصل الاجتماعي، وكانت لؤة خلف قد قيدت بنقابة محامي سوهاج في مايو هذا العام، ثم قررت نقابة محامي سوهاج وقفها عن العمل وإحالتها للتأديبية بسبب مظهرها الشخصي وعدم وضعها الحجاب، ونددت لؤة بالقرار واعتبرته ظلما علاوة على انه لا سند له من القانون، وردا على ذلك أكدت النقابة أن قرار الوقف جاء في إطار: " الحفاظ على كرامة المهنة وهيبتها" ! وهكذا نجد أنفسنا مجددا أمام الثقافة التي تراكمت طويلا والتي ترسخت خاصة في صعيد مصر والأرياف.
وبهذه المناسبة هناك صورة منتشرة يعود تاريخها الى عام 1962 تضم أول دفعة بنات تم قبولها في الأزهر الشريف عام 62، وليس في الصورة طالبة واحدة محجبة بل وحتى المشرفة التي تقف بجوارهن غير محجبة ! ولم ينتقص ذلك شيئا من قدر البنات ولاسعيهن للعلم والمعرفة ولم ينتقص ذلك أيضا من قدر وجلالة الأزهر. لكن ما جرى مع المحامية لؤة خلف هو طرف صغير من ثقافة التقليل من شأن المرأة ، والسعي لفرض السيطرة عليها، وتلقينها طاعة الذكور، وملازمة البيت.
ولا يعني استقرار هذه النظرة سوى أننا لم نستطع حتى الآن أن نغزو الريف والصعيد بالتنوير. جدير بالذكر أن قاسم أمين قد أثار هذه القضية ذاتها، منذ أكثر من مئة عام، سنة 1899، في كتابه الشهير " تحرير المرأة" قال عن الحجاب : " وكل من عرف التاريخ يعلم أن الحجاب دور من الأدوار التاريخية لحياة المرأة في العالم.. فقد كانت نساء اليونان يستعملن الخمار إذا خرجن، ويخفين وجوههن بطرف منه كما هو الان عند الأمم الشرقية..
وقد ترك الدين المسيحي للنساء خمارهن فكن يغطين رؤوسهن إذا خرجن في الطريق..ومن هذا يرى القارئ أن الحجاب الموجود عندنا ليس خاصا بنا ، ولا أن المسلمين هم الذين استحدثوه، ولكنه كان عادة معروفة عند كل الأمم تقريبا ثم تلاشت طوعا جريا على سنة التقدم والترقى". ويضيف : " لكن ألا يحتمل بالعكس أن تفتتن النساء بالرجال وهم لا يسترون وجوههم؟! أم أن عزيمة المرأة على مقاومة الفتنة أقوى"! وبطبيعة الحال فإن كتاب قاسم أمين الرائد في مجاله يتناول أيضا قضية تربية المرأة، ووظيفتها في الهيئة الاجتماعية، وفي العائلة، ثم يتطرق بعد ذلك إلي الحجاب من الجهة الدينية والاجتماعية.
لقد انقضى أكثر من مئة عام على كتاب قاسم أمين تحرير المرأة ، لكن المرأة مازالت عرضة للعقاب إذا ارتدت ما تراه مناسبا لها. والان ونحن في هذه الأيام في خضم البحث عن وزير للثقافة يجب القول إن علينا أن نبحث لا عن وزير بل عن سياسة ثقافية تضع تنوير الصعيد والريف أولوية في قائمة مهامها، وألا يقتصر عمل الوزارة على الاحتفالات بالأدباء والكتب وإقامة الندوات وتكريم المثقفين وتوزيع الجوائز.
نقلا عن الدستور





