بقلم الأب يسطس الأورشليمى
مثال على ذلك: عندما تُصلّي إلى الله، بعد أن ارتكبت خطية مثل الكذب،  يأتي الشيطان ويهمس في أذنك قائلاً: كيف تُصلّي لله، والرّب قال: لا تكذب هل تضحك على الله؟! المفرُوض أنك تمتنع عن الكذب أولاً، ثم بعد ذلك تذهب وتُصلّي، حتى لا تكُون مرائي (مت13:23- 35)، ويحضر أمامك أصحاح الويلات: ويل لكم أيها الكتبة والفريسيُون...
 
 هناك نوعين من الشياطين: 
(1) شيطان مُتغير...          (2) شيطان ثابت...     
 
   أحدهُم يأتي، شيطان الكذب، ويلقي بفكر الكذب ويمضي، ثم يأتي آخر شيطان الطمع، وهكذا، أما الشيطان الثابت هو شيطان اليأس، لا يتغير أبداً مثال ذلك: أساساته في الجبال المُقدسة، أي الهيكل، ويأتي الأعداء ويقولوا لليهُود الذين في السبي: نحنُ هدمنا لكُم الهيكل وصار خراباً ودماراً، فكلام الله ليس له أساس من الصحة، والدليل على ذلك هذا الخراب والدمار، فأحذر وأحترس من شيطان التشكّك وتمسك بالله..
 
 إذاً النامُوس مُقدّس، والوصية مُقدسة وعادلة وصالحة، لأن الوصية هي فكر الله، وهُناك المستُوى الإنساني، والسماوي، والمستُوى الشيطاني الذي يُؤذي الجميع، ويشّبه بالعقرب الذي لا يرى ويبث سمُومه في كُل مكان، والرّب قال: ها أنا أعطيكُم سلطاناً لتدُوسُوا الحيات والعقارب، أي أفكار إبليس السامة، وكُل قوة العدو، ولا يضركم شيء.. 
 
  فالفكر الإنساني الذي في مستواك: تحب قريبك وتبغض عدُوك، يقُول: سن بسن وعين بعين، أي الرخيص بالرخيص والغالي بالغالي، أما الفكر السماوي، فهُو بالمسيح القائل: أنا الكرمة وأنتم الأغصان، الذي يثبت في وأنا فيه هذا يأتي بثمر كثير، لأنكُم بدُوني لا تقدرُون أن تفعلُوا شيئاً.. راجع (يو5:15؛ 2تى5:2)، فقانُون الأرض لكُل فعل رد فعل، أما قانُون السماء هُو الله الذي يُشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويُمطر على الأبرار والظالمين، فالنامُوس خارطة الطريق الذي يصل بك إلى المسيح حيثُ الحياة الأبدية، ويقُول ويُشير: أذهب إلى هُنا (المسيح)..
 
  وفي النهاية يقُول: ويحي أنا الإنسان الشقي!! مَن يُنقذني من جسد هذا المُوت ؟! أي ليس لي، أي مخرج، فمَن ينقذني ؟!  
 
   حقاً أنها صرخة رهيبة أظهرها لي النامُوس، إنني ضائع وهالك، نامُوس الجسد (الذات) مُسيّطر علىّ، والنامُوس الرُوحي لا أقدر أن أصل إليه، وهُنا يظهر عمل المسيح القُوي، في تقُوية الإرادة ومعالجة الأسباب الداخلية، في الإصحاح الثامن حيثُ يُقدم لنا بقُوة إمكانيات الحياة المُقدسة في الرّب يسُوع المسيح الغالب الخطية، فاتحاً باب الرجاء في المجد الأبدي، مُلهباً القلب بمحبته الفائقة العجيبة (يو16:3؛ 1يو16:4)..
  ما معنى: الذين في الجسد لا يستطيعُون أن يرضُوا الله؟ 
 
هل نقطع أجسادنا إرباً حتى نرضي الله، هاربين من طبيعتنا البشرية؟!
   هذا التفسير الحرفي غير لائق، فهُو لا يقصد الجسم الإنساني ولا جُوهره  بل يعنى الحياة الحيُوانية المُستهترة التي تجعل الإنسان جسدياً، وأيضاً حين نسمع: أما أنتُم فلستُم في الجسد، بل في الرُوح، لا نفهم بهذا أننا خلعنا الجسم الإنساني، لكننا ونحنُ في هذا الجسم، قد تركنا تيار الشهُوات الجسدانية، وهذا التعبير أستخدمه الرّب يسُوع حين قال لتلاميذه: أنتُم لستُم من هذا العالم،  بمعنى إنهُم لا يحملُون فكر العالم الأرضي وشهُواته بالرغم أنهم في العالم، راجع الكتاب المُقدس (1يو15:2-17)..
 
 وإن كان المسيح فيكُم، فالجسد ميت بسبب الخطية، وأما الرُوح فحياة بسبب البرّ، فالسالك بالرُوح القُدس، إنما ينعم بالمسيح أيضاً ساكناً فيه، فماذا 
يقصد بذلك؟ يقصد أن مَن له رُوح المسيح، يكُون أيضاً له المسيح نفسه، لأنه حيثُ يُوجد أحد الأقانيم الثلاثة، والثالوث القدُوس حالاً، لأن الثالوث غير مُنقسم على ذاته، راجع (1يو5:5-12)..
 
 تأمل في عظمة البركات التي ننعم بها بنوالنا الرُوح القُدس، فبكُونه رُوح المسيح يكُون لنا المسيح، ونصير مناظرين للملائكة، وننعم بالحياة الخالدة، ونمسك بعربُون القيامة، ونركض بسهُولة في سباق الفضيلة.. 
 
إن كان نامُوس الخطية قانُونه المُوت الأبدي، فإن نامُوس الرُوح الذي يهبه لنا المسيح قانُونه القيامة من الأمُوات على مستُوى أبدي، يهبنا المسيح رُوحه القدُوس ساكناً فينا، والرُوح الذي أقام المسيح من الأمُوات هُو قادر أن يُقيم طبيعتنا الساقطة، فينزع عنها نامُوس الخطية ليهبنا الطبيعة الجديدة المُقامة في المسيح، يسُودها نامُوس القيامة والحياة..
 
 قال: سيُحيي أجسادكُم المائتة أيضاً برُوحه الساكن فيكُم،  تأكيد لوحدة العمل بين الثالوث القدُوس، فإن الآب يُحّيي مَن يشاء، وأيضاً الابن، وكذلك الرُوح القُدس، راجع (يو21:5؛ حز9:37)..   
 
بعد أن أظهر مكافأة الحياة الرُوحية، إذ تجعل المسيح ساكناً فينا، وتحي أجسادنا المائتة، وتهبها أجنحة لتطير بها إلى السماوات، وتجعل طريق الفضيلة سهلاً، إذ يقُول: أنكُم لستُم لأنفسكُم، لأنكُم قد اشتُريتُم بثمن فلا تصيرُوا عبيداً للناس، بل مجدُوا الله في أجسادكُم وفي أرُواحكُم التي هي الله (1كو20:6؛ 23:7؛ 2كو15:5)، وهُو مات لأجل الجميع كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفُسهُم، بل للذي مات لأجلهُم وقام..
   + هُو يلزمنا ألا نعيش حسب الجسد ونجعله سيد على حياتنا، إنما ليكن الجسد هُو التابع لا القائد، ليس هُو الذي يُدبر حياتنا، بل نامُوس الرُوح هُو الذي يدبرها، ويجعلنا أهلاً للحياة الأبدية الخالدة..  
 
 ركز الرسُول: على شعُورنا أننا مدينُون للرُوح القُدس، الذي يعتقنا من الدينُونة مادمنا نسلك حسب الرُوح، ويهبنا رُوح الغلبة والنُصرة، فنواجه حرب الخطايا بُقوة ونركض في ميدان الفضيلة، مُنطلقين نحُو السماء كما بأجنحة الرُوح، وأخيراً يكشف لنا عن عمل هذا الرُوح الإلهي فينا، وذلك بتجديد مركزنا بالنسبة لله، فينزعنا من مركز العبُودية، لنحتل مركز البنُوة الفائق، ونحسب بالحقّ أولاد الله لنا حقّ الميراث معه..
 
 يقُول: لأن كُل الذين ينقادُون برُوح الله، فأولئك هُم أبناء الله..  
 
     كلمة: ينقادُون، مُظهراً أن الرُوح يستخدم سُلطاناً على حياتهُم، فيقتادهُم كرُبان يقُود سفينة، أو سائق مركبة على زوج من الفرس، فهُو لا يقُود الجسد فقط، وإنما يقُود الجسد، والنفس أيضاً ويملك عليهما..
 
     وقُوله: لم تأخذُوا رُوح العبُودية، يُشير إلى العهد القديم حيثُ لم ينل اليهُود رُوح البنوة، إنما بنُوالهُم النامُوس مُجرّداً عاشُوا تحت تهديدات العقُوبة في خُوف كعبيد، أما في العهد الجديد فلم تعد مكافأة الوصية أمُوراً زمنية، إنما قُدمت الوصية للبنين، ليكُون الله نفسه مكافأتنا..