بقلم الأب يسطس الأورشليمى
إن كان عمل السيد المسيح مع شعبه عجيباً إذ يقيمهُم كما من الانحناءة الدائمة نحو التراب لترتفع بصيرتهم الداخلية نحو السماء إلا أنه وجد مقاومة من رئيس المجمع، هذه المقاومة أشبه بالتربة التي تحيط بحبة الخردل الصغيرة والحية، التي لا تستطيع أن تحطمها بل بالحريّ تكُون علة نموها فتتحول إلى شجرة كبيرة (19)، فالكرازة في بدايتها صغيرة، ولكنها تصير كشجرة كبيرة تملأ المسكُونة كُلها..
 
أولاً: في القديم أشير للممالك العظيمة بشجرة وسط الأرض يستظل تحتها حيُوانات البرية ويسكُن في أغصانها طيُور السماء، بكُون المملكة في اتساعها تضم دولاً وبلداناً تحت ظلها تحميها من كُل عدوان خارجي، أنظر (دا10:4-12؛ حز6:31)، أما الشجرة التي يتحدث عنها السيد المسيح هُنا فهي مملكة رُوحية اجتذبت بالصليب الأمم والشعُوب، ليجدُوا فيها موضع راحة، ويُوجد ارتباط بين حّبة الخردل وآلام المسيح..
 
إن كان ملكُوت السموات المُعلن في داخلنا، إنما هُو إعلان عن حلول السيد في داخلنا، نقبله فينا مصلُوباً قائماً من الأموات، نحمل شركة آلامه فينا لننعم بقُوة قيامته متشبهين بشبه موته، فإن حّبة الخردل التي تُدفن في الحقل إنما هي المسيح المُتألم الذي يدفن فينا ويقُوم شجرة حياة في قلبنا، أن قيمتها لا تظهر إلا بدفنها فتظهر شجرة عظيمة تأوي طيُور السماء، ويستظل تحتها حيوانات البرية، هكذا بالتجسد الإلهي ظهر الله الكلمة كصغير جداً إذ صار عبداً، لكن بقبره قام واهباً إيانا سرّ الحياة تأوي في أغصان كنيسته كطيُور مُحلقة في السموات (نش3:2)..
 
ثانياً: استخدام السيد حّبة الخردل بالذات كمثال لملكُوته السماوي لسببين: (1) أن هذه الحّبة يظهر نفعها بالأكثر حينما تُسحق أو تُعصر، كما تصير شجرة متى دفنت في الأرض، وكأنها حملت إشارة إلى اجتياز الرّب الآلام، (2) إنه كان شائعاً في أمثال اليهُود أنها أصغر الحبُوب في فلسطين، فاستخدم صفتهُم ومثلهُم للكشف عن سرّ ملكُوته..
 
ثالثاً: قُدمت الكرازة في البداية لأشخاص قليلين وفي نطاق ضيق، لكنها اتسعت في تأثيرها وامتدت إلى كُل الأمم، كُرز بها أولاً في اليهُودية وحدها وإذ عصى إسرائيل جاءت الوصية للتلاميذ: اذهبُوا وتلمذُوا جميع الأمم... كما أن حبّة الخردل صغيرة جداً في حجمها بالنسبة لبذُور النباتات الأخرى، لكنها تنمُو عالية حتى تصير مأوى لكثير من العصافير.. 
 
هكذا ملكُوت السموات بدأت موجهة إلى أشخاص قليلين كما لو كانت صغيرة ومحدُودة، فنمت بسرعة وصارت مأوى للذين هربُوا إليها كملجأ لهُم هُؤلاء الذين حُسبُوا كعصافير، لأن الأمُور البشرية تحسب صغيرة إن قيست بالله، لقد أعطى النامُوس للإسرائيليين، وإذ لم يستطع سكان الأرض أن يخلصُوا خلال ظل النامُوس وخدمته المادية، صارت الضرُورة مُلحة أن تنطلق الكرازة بالإنجيل واهب الخلاص، فتنشر في العالم كالمياه والفيضان، فلا يقف إنسان أمام مجاريها، أنظر (إش9:11؛ عا24:5)..    
 
يقارن ملكُوت الله بخميرة، فإن الخميرة صغيرة في كميتها، لكنها تمسك العجين كُله وبسرعة تتفاعل معه وتهبه خواصها، هكذا تعمل فينا كلمة الله بنفس الطريقة، فإنها إذ تُضاف إلينا في داخلنا تجعلنا قديسين وبلا لُوم، وتتسرب إلى ذهننا وقلبنا وتجعلنا رُوحيين (1تس23:5)..
 
إذ شبه عمله الإلهي لنشر ملكُوته السماوي بالبذار الملقاة في الأرض، مُعلناً استمرارية عمله غير المُدرك، الآن جاء المساء أراد أن يكشف لتلاميذه عملياً عن هذه الإمكانيات خلال انتهاره للرياح المضادة، مُعلناً سلطانه حتى على البحر، حيثُ تظهر الكنيسة كسفينة وسط أمواج العالم، تُعاني من الضيقات لكن عريسها في داخلها فلن تتزعزع، ورسالتنا أن نُوقظ مسيحنا الذي في داخلنا، فهُو وحده يقدر أن يأمر فيطاع، وباتحادنا معه، وثبُوتنا فيه نحمل سلطاناً، فنعيش في ملء النُصرة الداخلية..
 
إذ قدم لنا الإنجيلي لوقا التوبة كطريق للتمتع بالخلاص من الهلاك، ثُم عاد ليكشف طول أناة الله علينا إذ يقف كمَن يشفع فينا مُعطياً إيانا فرصاً جديدة للتوبة كبستاني صالح يترفق بشجرة التين غير المثمرة، وأعلن أنه هُو بالحق وحده سرّ شفائنا وخلاصنا، فيأمر النفس المُنحنية لتستقيم، مُقدماً إنجيله في قلُوبنا كحبة الخردل التي تصير شجرة كبيرة، ثم يُؤكد التزامنا بالجهاد، لندخل بنعمته من الباب الضيق (24)..