أكرم ألفى
في عام 1775، عكف أستاذ جامعة هارفارد إدوارد ويجلزوورث Edward Wigglesworth على إجراء بعض الحسابات؛ إذ كان عدد سكان المستعمرات الأمريكية يتضاعف كل 20 عاماً، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى ارتفاع معدل المواليد. وبناءً على إسقاطات مستقبلية، خلصت حساباته إلى أن عدد سكان أمريكا سيصل بحلول عام 2000 إلى 1.28 مليار نسمة. وقد دوّن هذا الرقم بأحرف كبيرة، إذ كان مذهولاً ومُثقلاً من هذه النتيجة. ولكن عندما حلّ عام 2000، كان العدد الفعلي للسكان يقل عن ذلك التقدير بنحو مليار نسمة!.

وفي هذا السياق انشر هذا التقرير من موقع واشنطن بوست نقلاً عن  City Journalدون تدخل تقريباً مني سوى عرض التقرير بشكل اسهل للقارئ العربي..

توصل تقرير جديد صادر عن "معهد دراسات الأسرة" (Institute for Family Studies) -بعنوان "الطريق الديموغرافي المسدود" (The Demographic Dead End)- إلى أن معدل المواليد في الولايات المتحدة انخفض إلى ما دون 1.6 طفل لكل سيدة..

أميركا تمر حالياً بثالث فترة طويلة من انخفاض معدلات الخصوبة، وذلك بعد فترة الكساد الكبير قبل 100 عام وفترة أخرى امتدت من عام 1972 إلى عام 1989. غير أن الفترة الحالية تميزت بطول أمدها وانخفاض المعدلات فيها إلى مستويات أدنى مقارنة بالفترتين السابقتين. وإذا استمر هذا الاتجاه، يتوقع أن يبلغ عدد السكان في الولايات المتحدة ذروته عند نحو 351 مليون نسمة في خمسينيات القرن الحالي، ليبدأ بعد ذلك في الانخفاض.

ما السبب وراء ذلك؟ لقد كشف التقرير عن أدلة تشير إلى أن الانهيار في معدلات الخصوبة ليس اقتصادياً فحسب، بل هو اجتماعي أيضاً. فالأمريكيون لا ينجبون عدداً أقل من الأطفال لأنهم يرغبون في ذلك؛ بل إن تراجع الإنجاب يعود جزئياً إلى تضاؤل أواصر الصداقة وضعف الدعم الاجتماعي للحياة الأسرية.

وتُظهر استطلاعات الرأي أن الأمريكيين يرغبون في إنجاب عدد من الأطفال يفوق ما يتوقعون إنجابه فعلياً. إذ يحدد تقرير معهد دراسات الأسرة (IFS) متوسط حجم الأسرة المرغوب فيه بنحو 2.4 طفل، بينما أشار استطلاع أجرته مؤسسة "غالوب" عام 2025 إلى أن حجم الأسرة المثالي في نظرهم يبلغ 2.7 طفل. وفي الواقع، تشير التوقعات الحالية إلى أن المعدل الفعلي سيكون أقل من 1.6 طفل. وتُعد الفجوة بين حجم الأسرة المرغوب فيه والحجم الفعلي هي الأكبر من نوعها منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي.

إذن، ما الذي يعيق الناس؟ تتمثل الإجابات المعتادة في المال والسكن، وهي عوامل يأخذها التقرير على محمل الجد. لكن جوهر التقرير يكمن في استطلاع جديد شمل 4784 أمريكياً تتراوح أعمارهم بين 18 و50 عاماً، وتشير نتائجه إلى عامل آخر تماماً: ثقافة الاصدقاء والمحيط الاجتماعي.

سأل الباحثون المشاركين عن عدد الأطفال لدى أصدقائهم الثلاثة المقربين، وعن كيفية رد فعل هؤلاء الأصدقاء إذا ما رزق المشارك بطفل آخر؛ هل سيعرضون المساعدة؟ وهل سيقومون بإعداد وجبات الطعام بعد الولادة؟ أم أنهم سيقلقون بشأن تعطل المسار المهني لصديقهم أو يتوقفون عن دعوتهم للخروج؟

ارتبطت الإجابات، بدرجة مدهشة، بالرغبة في إنجاب الأطفال. فبالنسبة للأمريكيين الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً ولديهم أقل الأصدقاء دعماً، بلغ حجم الأسرة المرغوب فيه حوالي 1.7 طفل، في حين وصل هذا الرقم إلى 2.8 طفل لدى من يحظون بأكثر الأصدقاء دعماً. وهذا يعني فارقاً يعادل طفلاً إضافياً كاملاً، يرتبط فقط بوجود أصدقاء موثوقين يقدمون الدعم والمساندة عند الحاجة.

ويمكن مقارنة ذلك بعامل الدين، وهو المتغير الذي غالباً ما يركز عليه علماء الاجتماع عند دراسة معدلات المواليد؛ فالشباب الأمريكيون الذين لا يحضرون الطقوس الدينية يرغبون في إنجاب طفلين تقريباً، بينما يرغب المواظبون على حضور الطقوس الدينية في إنجاب 2.7 طفل تقريباً. صحيح أن الدين عامل مهم، لكن وجود أصدقاء داعمين لا يقل أهمية عنه -إن لم يكن أكثر أهمية- وتشير النماذج الإحصائية إلى أن تأثير كلا العاملين منفصل عن الآخر.

لن يجد علماء النفس في هذه النتيجة ما يثير الدهشة؛ فالبشر كائنات تميل إلى المحاكاة والتقليد. نحن نُكيّف رغباتنا وتطلعاتنا وخططنا الحياتية بناءً على مراقبة من حولنا، وكذلك من هم في مكانة أعلى منا. لذا، لا ينبغي أن يفاجئنا رصد التقرير لما يُعرف بـ "تأثير المشاهير" أيضاً.

لقد طُلب من المشاركين تحديد الشخصية العامة التي يكنّون لها أكبر قدر من الإعجاب، ثم قام الباحثون بالتحقق من عدد الأطفال لدى تلك الشخصية. وتبيّن أن كل طفل إضافي يُرزق به أحد المشاهير المفضلين يرتبط بزيادة قدرها 0.15 تقريباً في عدد الأطفال الذين يرغب المعجب في إنجابهم؛ وقد كان هذا التأثير أقوى ما يكون بين الشابات.

ويشير مؤلفو الدراسة إلى أنه "من الممكن" القول بأن دفع مليار دولار للمغنية تايلور سويفت لتنجب أطفالاً قد يؤدي إلى زيادة عدد المواليد في المجتمع أكثر مما قد يحققه إنفاق المبلغ نفسه على الإعفاءات الضريبية المخصصة للأطفال، وذلك في حال أدى قرارها إلى التأثير في قاعدة معجبيها العريضة!!!

في الواقع، المتغير الاجتماعي الوحيد الذي كان له تأثير فعلي على النوايا هو وجود أصدقاء يقدمون مساعدة حقيقية: مثل رعاية الطفل، وإحضار الوجبات، وتغيير الحفاضات. فقد أدى وجود أصدقاء داعمين إلى رفع نسبة الأزواج الذين ينوون إنجاب طفل آخر من حوالي 30% إلى نحو 45%.

وبعبارة بسيطة: الثقافة السائدة تحدد التطلعات، لكن الأصدقاء في الواقع العملي هم من يقودون إلى الإنجاب الفعلي. إذ يمكن لمجتمع ما أن يزخر بالمؤثرين الداعمين للأسرة، ومع ذلك يظل عقيماً إذا لم يكن هناك من هو مستعد للمساعدة في رعاية الأطفال.

ومن هذا المنظور، لا تبدو أزمة الخصوبة مشكلة اقتصادية بقدر ما تبدو عرضاً ناتجاً عن مشكلة الوحدة؛ فـ "ركود الصداقة" و"انخفاض المواليد" هما في جوهرهما ركود واحد.

ما العمل إذن؟ يقترح كل من "ستون" و"بروكس" برنامجاً للسياسات العامة يتسم بجرأة تفوق التعديلات المعتادة على الإعفاءات الضريبية الخاصة بالأطفال. ويتمثل جوهر هذا المقترح فيما أطلقوا عليه اسم "حسابات عيد الميلاد الأمريكية" (American Birthday Accounts): حيث يتم استثمار مبلغ 15 ألف دولار عند ولادة كل طفل أميركي، ويُترك المبلغ لينمو عبر العوائد التراكمية، ولا يُتاح استخدامه إلا عندما يكبر ذلك الطفل وينجب أطفالاً خاصين به. وبهذا، قد يحصل الزوجان على مبلغ يقارب 100 ألف دولار عند إنجاب طفلهما الأول. ويُقدّر المؤلفان أن هذه الخطوة قد ترفع معدلات المواليد بنسبة تتراوح بين 20% و40%، وبتكلفة تقل عن 1% من الميزانية الفيدرالية.

لكن الأفكار الأكثر أصالة هي تلك ذات الطابع الثقافي، وهي تنبثق من بيانات الصداقة. ولعلّ أكثرها إثارةً للجدل هو اقتراح المؤلفين "قوانين رقمية" تفرض ضرائب على استخدام بيانات الهواتف الذكية في عطلات نهاية الأسبوع، بهدف تشجيع الناس على الابتعاد عن هواتفهم والعودة إلى منازلهم.

قد تبدو بعض هذه الأفكار ضربًا من الخيال، لكن من الصعب تجاهل التشخيص الكامن وراءها. فعلى مرّ التاريخ، نشأ الأطفال ضمن شبكة وثيقة من الإخوة والجيران والأصدقاء. لم يكن أحد بحاجة إلى إقناع بأن الحياة الأسرية غايةٌ مرغوبة، لأنها كانت واضحة للعيان. لقد قلّصنا هذه الشبكة إلى خيوط قليلة، ونستغرب الآن تردد الناس في تخيّل الأطفال ضمنها.

يختتم التقرير بنبرة تفاؤل: فالتراجع الديموغرافي خيار، والخيارات قابلة للتغيير. والسؤال المطروح هو: هل الأمريكيون مستعدون لإعادة بناء العالم الاجتماعي الطبيعي الذي كان يجعل فكرة إنجاب الأطفال أمرًا واردًا؟ مقاعد الكنائس الممتلئة، والشرفات المزدحمة، والأصدقاء على مسافة قريبة. فبلدٌ لا يستطيع بناء الصداقة لن يُنتج شيئًا يُذكر.