حنان فكرى

معركة يومية من نوع خاص؛ كوميديا سوداء تجسد القهر اليومى، نساء وشيوخ وأطفال لا يستطيعون الانتظار طويلًا حتى الوصول لمسجد أو كنيسة أو مطعم.. إلخ لقضاء حاجتهم، إنها معركة البحث عن مرحاض آدمى يحفظ ماء وجه المواطن وكرامته، خاصة النساء، لكن للأسف هذا الاحتياج البيولوجى يسقط من حسابات التخطيط العمرانى، حتى المراحيض العامة الموجودة فى بعض الميادين غير آمنة، مواقف وأوضاع غاية فى العجب تبقى على السؤال معلقًا فى فضاء العبث: كيف نطالب الناس بالتحضر، بينما يُحرمون من أبسط مقومات الإنسانية؟.

 

لغة الأرقام صادمة، لكنها تكشف حجم الفاجعة؛ فوفقًا لتقارير سابقة لجهاز التعبئة والإحصاء، هناك محافظات بأكملها كالإسكندرية وجنوب سيناء بلا حمام عام واحد، أما عن القاهرة فحدث ولا حرج. فالناس فيها لا يبحثون عن مراحيض، إنهم يتجهون مباشرة للأماكن التى يمكن أن يجدوا بها مرحاضًا يسترهم عند الحاجة، هذا الانعدام الخدمى الفاضح يضع الملايين من مرضى السكر، والكلى، والأطفال، والنساء الحوامل فى مأزق يومى مرعب، ويجعل من مجرد الخروج لقضاء مصلحة فى الشارع مغامرة محفوفة بالآلام والانتكاسات الصحية.

 

أما تلك الهياكل الخربة التى تسمى تجاوزاً «حمامات عامة» فى ميادين رمسيس ووسط البلد، فقد تحولت بقدرة قادر، وبفعل غياب رقابة المحليات، إلى «سبوبة» مربحة للخارجين عن القانون والبلطجية الذين يفرضون إتاوات على المترددين، أو إلى أوكار مظلمة لمدمنى المخدرات ومستودعات للسرنجات المستعملة. هذه البؤر الغارقة فى برك المياه الملوثة الخالية من الأبواب والشبابيك باتت بيئة طاردة يستحيل على أى امرأة أو فتاة الاقتراب منها، لتصبح الخيارات أمامها إما الإصابة باحتباس بولى كفيل بتدمير كليتيها، أو النجاة بنفسها من خطر التحرش والعدوى فى تلك الخرائب المتسخة.

 

المفارقة الصارخة واللاذعة تكمن فى تلك الازدواجية القانونية الفجة؛ إذ يعتبر القانون التبول فى الشارع فعلاً فاضحاً يستوجب الحبس لستة أشهر والغرامة بآلاف الجنيهات، فى الوقت الذى تعجز فيه الدولة عبر محلياتها عن توفير بديل آمن ونظيف. إنه تناقض مطلق يضع المواطن «المزنوق» بين مقصلة العقاب الجنائى ونداء الطبيعة الحتمى!. كيف يُعاقب المغلوب على أمره وهو لم يجد جداراً آدمياً يستره؟، وهل الحل أن نطلب من الناس حبس أنفاسهم وأبوالهم حتى العودة لبيوتهم؟.

 

هذا الإهمال الخدمى لم يدمر الكرامة الإنسانية فحسب، بل امتد ليدمر بنية الدولة التحتية؛ حيث تحولت المساحات أسفل الكبارى بملايينها المهدرة إلى «مباول عامة» بفعل الأمر الواقع. هذه الكارثة البيئية لا تنشر الروائح الكريهة والمركبات الكيميائية المسرطنة فى الهواء فحسب، بل إن الأحماض العضوية الناتجة عن التبول العشوائى تهاجم قطاعات الخرسانة وتصيبها بالتآكل والصدأ، مُهدِّدة بانهيار هذه الجسور وتقليل عمرها الافتراضى.

 

ولمَن لا يعرف، تُعد ظاهرة تآكل الخرسانة فى المنشآت الحيوية تحدياً هندسياً وبيئياً يتجاوز مجرد كونه تلفاً إنشائياً، إذ تشير الدراسات العلمية إلى أن التعرض المستمر للسوائل ذات الطبيعة الكيميائية العدوانية، مثل البول، يسرع من وتيرة تدهور الهياكل الخرسانية المسلحة. فمن الناحية التقنية، تعمل هذه السوائل كوسط «إلكتروليتى» محفز، حيث تؤدى الأملاح والكبريتات الموجودة فيها إلى اختراق مسام الخرسانة، مما يقلل من خصائصها القلوية الواقية لحديد التسليح؛ وهو ما يفتح الباب أمام تفاعلات الأكسدة التى تؤدى إلى صدأ الحديد وتمدد حجمه، مسببة تشققات وتفتتاً فى الهيكل الإنشائى على المدى الطويل، وهو ما تؤكده الأبحاث التى تناولت تأثير البيئات الغنية بالرطوبة والمركبات العضوية على استدامة المواد الإنشائية.

 

وهكذا تسير الأمور.. تتحدث وزارة التنمية المحلية عن خطط تطوير، بينما تلتهم ميزانيات المحليات الملايين دون أن يلمس المواطن هذا فى أبسط تفاصيل حياته، قضاء الحاجة، وجود حمام يستره، فأى تنمية تلك التى يمكن أن تحدث فى غياب الكرامة؟!. نعم، إن غياب الحمامات العامة ليس مجرد تقصير خدمى، بل هو جريمة فى حق المواطن وإهدار لكرامته الإنسانية.

نقلا عن المصرى اليوم