الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
Olivier Catel, o.p., Jésus et les rabbins, Paris, Cerf, coll. « Épiphanie », 2026, 136 p.
هل يمكن أن نعرف يسوع حقًّا إذا انتزعناه من شعبه، ولغته، وشريعته، والجدالات الدينية التي عاش في وسطها؟
هذا هو السؤال الذي ينطلق منه كتاب الأب إوليڤييه، فيبدأ الكتاب من حقيقة بديهية في ظاهرها، لكن الوعي المسيحي تجاهلها طويلًا: "يسوع يهودي". وُلد تحت الشريعة، وصلّى مزامير بني إسرائيل، وقرأ التوراة، وشارك في أعياد شعبه. فالتجسد لا يعني أن ابن الله صار إنسانًا بصورة عامة ومبهمة، وإنما صار إنسانًا داخل شعب وتاريخ وثقافة محددة: جاء من الله، وتجسد في بني إسرائيل.
ومن هنا يعيد الكتاب قراءة علاقة يسوع بالفريسيين. فالفريسيون ليسوا أشرار القصة الجاهزين، ولا تمثل مناقشاتهم مع يسوع صراعًا بين المسيحية واليهودية؛ كانت جدالات داخل البيت اليهودي نفسه، حول التوراة والسبت والطهارة والرحمة والسلطة الدينية. وكان الفريسيون يسعون إلى جعل الشريعة قابلة للممارسة في تفاصيل الحياة اليومية.
ثم يطرح الكتاب سؤالًا محوريًا: ما علاقة يسوع بالتوراة؟ حين يقول المسيح: «ما جئت لأنقض، وإنما لأكمّل»، فهو لا يلغي الشريعة، وإنما يكشف عمقها. فوصية «لا تقتل» تمتد عنده إلى الغضب والإهانة، و«لا تزنِ» تصل إلى النظرة والرغبة والقلب. يسوع لا يخفف متطلبات الشريعة، بل يجعلها أكثر راديكاليّة.
ولهذا يمكن فهم عنوان أحد فصول الكتاب بطريقتين: «يسوع والتوراة» و«يسوع هو التوراة». فالكلمة الذي أعطى الشريعة لموسى صار جسدًا. والمسيح لا يشرح كلمة الله من خارجها، بل يكشف معناها الكامل في شخصه وتعليمه.
ويتوقف الكتاب كذلك أمام التوراة الشفوية والأدب الحاخامي، ولا سيما المشناه والتلمود، ليبيّن كيف يمكن لهذه النصوص أن تضيء بعض مناقشات الإنجيل، مع ضرورة التمييز النقدي بين التقاليد القديمة والمواد المتأخرة.
هذا الكتاب لا ينتقص من فرادة المسيح، ولا يحوّل الإنجيل إلى فصل من تاريخ الحاخامات. إنه يأخذ "سر التجسد" بجدية. فكلما فهمنا العالم اليهودي الذي عاش فيه يسوع، عرفنا بصورة أوضح ما شاركه مع أبناء شعبه، وما جدده، وما انتقده، وأين تكمن فرادة سلطانه.
مَن ينتزع يسوع من اليهودية لا يجعله أكثر مسيحية؛ إنه يجعل تجسده أقل واقعية، وكلامه أقل وضوحًا. أما العودة إلى يسوع اليهودي، فلا تبعدنا عن المسيح، بل تقودنا إليه بعمق أكبر.





