أكرم ألفى 
أشهر من يحذر بشكل دائم من تراجع النمو السكاني في العالم وانخفاض الخصوبة هو إيلون ماسك، فإيلون ماسك صاحب القول الشهير إن تراجع المواليد والانكماش السكاني يمثل أكبر تهديد للحضارة الإنسانية.

اتفق تماما مع إيلون ماسك، فأنا من أبناء مدرسة ترى أن الحضارة الإنسانية اقتربت من نقطة خطرة جدا بسبب انخفاض الخصوبة العالمية إلى أقل من 1.8 طفل لكل سيدة (الأمم المتحدة تدعي أنها 2.2 طفل ولكن اسقاطاتها قديمة وستقوم بتصحيحها كعادتها بعد 3 سنوات) 

إيلون ماسك كتب قبل شهر على موقع "إكس" محذراً من تراجع الخصوبة الكلية في الهند إلى 1.9 طفل لكل سيدة فيما ركز على أن الخصوبة في دلهي بلغت 1.2 طفل فقط لكل سيدة!. 

السؤال الذي لا يطرحه إيلون ماسك هو لماذا؟.. الإجابة التي نتداولها في النقاشات والندوات والمقالات هي تعليم المرأة وعدم اليقين الاقتصادي وتوفر موانع الحمل وارتفاع تكلفة تربية الأطفال ولكن هل استأذن في طرح إجابة جديدة وهي: انهيار الأمل الإيديولوجي

نعم انهيار الآمل الإيديولوجي.. 

إن العوامل الخاصة بتعليم المرأة ودخولها سوق العمل وهيمنة العمل المؤقت وتوفر موانع الحمل باسعار زهيدة وارتفاع تكلفة تربية الاطفال وتراجع الطلب على العمالة الزراعية الكثيفة هي أسباب حقيقية ولكن في وسط هذا يتحدث البعض سراً عن نتائج انهيار الإيديولوجيا على عالم الغد. 

فنحن أمام نمط بشري جديد قائم على شاب وشابة يحصلون على قدر أكبر من التعليم ويدخلون سوق عمل مشوب بالفوضى وعدم اليقين وأمامهم سنوات أطول للحصول على الاستقرار المالي ويجدون صعوبة في تربية الأطفال ولكن وسط هذا كله فإن هناك ما يشبه الصحراء الفكرية بانهيار الصراع الإيديولوجي العالمي.

فتراجع الحلم بالانتصار على الواقع عبر فرض مشروع جديد يقود إلى هيمنة الفردية ونهاية الحديث عن الأمل الجماعي والذي فشل المجتمع المدني في ملء هذا الفراغ خلال 30 عاماً..

حدثتني صديقة قبل أيام عن أن الأبناء يبدون مشغولين بالشأن العام ولكن تعاطيهم مع الشأن العام يبدو مختلفاً ففيه شكل من أشكال اللامبالاة أو عدم التعاطي بجدية مع ما يحدث.. وفي بيتنا الصغير رغم أن السياسة تملأ ارجاءه والصغار لا يفارقون الكتب بدءا من هيجل وصولاً لكانط وتولستوي ونجيب محفوظ ولكن علاقة الصغار بفكرة عالم أفضل هي علاقة صفرية.. 

وعندما اتحدث مع نجلي الأكبر آسر (17 عاماً) أخبره أني لم اقرأ ما قرأه في سنه ولكن في هذا السن كنت أحلم بتغيير العالم تكون إجابته أنه هذا أصبح من الماضي فلا أحد في جيله يحلم بتغيير العالم.

نحن أمام جيل جديد واقعي لدرجة مخيفة فهو اسقط الأحلام الأيديولوجية من أجندته وبالتالي اسقط فكرة الأمل من واقعه اليومي وأحد ترجمات هذا هو العزوف عن انجاب أطفال لعالم يهيمن عليه أصحاب المصالح فقط ولا توجد فيه فرصة للانتصار على شبكة العنكبوت التي هيمنت على العالم.

عالم بلا ايديولوجيا بديلة أو طريق جديد هو عالم بلا أمل وبالتالي فهو ليس مساحة للأمل وانجاب أطفال بالنسبة لجيل أصبح لديه فرصة فريدة وهي أن قرار الإنجاب بيده عبر توفر وسائل منع الحمل الاختراع الذي غير تاريخ سكان المسكونة.. 

بالنسبة للغة الأرقام ليس غريباً انطلاقاً مما سبق أن أقل نسب خصوبة في العالم هي في روسيا ودول شرق أوروبا السابقة كما في كوريا الجنوبية واليابان وهي دول شهدت سقوط الحلم مبكراً جداً فيما انتعش النمو السكاني مؤقتاً في امريكا اللاتينية قبل أن ينهار سريعاً.

انهيار الحلم ترجمته القاسية ستكون "انهيار الحضارة" بتعبير إيلون ماسك.. وهنا تبدو منطقية فكرة أن الأسوأ أن لا تخلق الحلم فمواجهة الإضطرابات في العالم أرخص بكثير من الركود السياسي الذي يدفع إلى ركود بشري قد ينتهي بتحول ثروة أصحاب المصالح إلى تراب منثور.