القمص يوحنا نصيف
    يستكمل الربّ يسوع حديثه مع بطرس، بعد أن قال له: "سِمْعَانُ، سِمْعَانُ، هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَٱلْحِنْطَة"، فيستطرد ويقول: "وَلَكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لَا يَفْنَى إِيمَانُكَ. وَأَنْتَ مَتَى رَجَعْتَ ثَبِّتْ إِخْوَتَكَ. فَقَالَ لَهُ: يَارَبُّ، إِنِّي مُسْتَعِدٌّ أَنْ أَمْضِيَ مَعَكَ حَتَّى إِلَى السِّجْنِ وَإِلَى الْمَوْتِ. فَقَالَ: أَقُولُ لَكَ يَابُطْرُسُ: لَا يَصِيحُ الدِّيكُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ تُنْكِرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَعْرِفُنِي" (لو22: 31-34). 

    يُعَلِّق القدّيس كيرلّس الكبير على هذا الكلام بتأمّلات هامّة جدًّا، فيقول:
    + لاحِظْ أنّه (المسيح) يُنزِل نفسه إلينا، ويتكلّم بحسب حدود الحالة الإنسانيّة، ومع ذلك فهو الله بالطبيعة، رغم أنّه صار جسدًا. ومع أنّه هو قوّة الآب، الذي به تقوم كلّ الأشياء وتُحفَظ، والذي منه ننال القدرة على الاستمرار في الصلاح، إلّا أنّه مع ذلك يقول إنّه يُقَدِّم طلبات كإنسان، لأنّه كان من الضروري -نعم من الضروري- لذلك الذي -من أجل التدبير- صار مثلنا، أن يستخدم أيضًا كلماتنا حينما تَستَدعِي المناسبة، بحسب ما يتطلّبه التدبير نفسه.

    + إنّه يقول: "وَلَكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لَا يَفْنَى إِيمَانُكَ"، والآن إذن هو يبيّن بهذا أنّه لو كان بطرس قد سُلِّم للشيطان ليجرّبَه، لكان قد برهن على عدم أمانته تمامًا؛ حيث أنّه حتّى حين لم يُسَلَّم للشيطان، فإنّه (أي بطرس) أثبَتَ أنّه ضعيف بسبب العجز البشري، لأنّه لم يحتمل الخوف من الموت، إذ أنكر المسيح بسبب كلمة فتاة صغيرة في دار رئيس الكهنة!

    + وبعد أن حذّره المخلّص.. فإنّه في نفس الوقت يُقدِّم له كلمة عزاء بقوله: "وَأَنْتَ مَتَى رَجَعْتَ ثَبِّتْ إِخْوَتَكَ"، أي كُن سندًا ومُوَجِّهًا ومُعَلِّمًا لأولئك الذين يأتون إلى الإيمان.

    + لنتعجَّب بالأكثر من هذا، أعني من المهارة الرائعة لهذه العبارة، ومن العظمة التي لا تُجارَى لِلُّطف الإلهي! فلئلّا تؤدِّي سقطة التلميذ الوشيكة إلى اليأس، كما لو كان سيُطرَد من أمجاد الرسوليّة، ويفقد مكافأة تلمذته السابقة للمسيح، بسبب أنّه أثبتَ عدم مقدرته أن يحتمِل الخوف من الموت وهكذا أنكره؛ فإنّ المسيح في الحال يملأه بالرجاء الصالح، ويمنحه يقينًا أكيدًا أنّه سوف يُحسَب أهلًا للبركات الموعود بها، ويحصد ثمار الثّبات، لأنّه يقول: "وَأَنْتَ مَتَى رَجَعْتَ ثَبِّتْ إِخْوَتَكَ".

    + يا للشفقة العظيمة التي لا مثيل لها! إنّ التلميذ وهو لم يكُن قد أُصيبَ بعد بداء إنكار الإيمان قد نال دواء الغفران؛ وقبل أن يرتكب الخطيّة نال الصفح، وقبل أن يسقط فإنّ اليد المُخَلِّصة امتدّت إليه، وقبل أن يتداعى فإنّه حُفِظَ!

    + كان يجب على بطرس أن يطلب منه القوّة، حتّى إمّا أنّه لا يتعرّض لهذا (السقوط)، أو يُنقَذ في الحال من الأذى. ما كان عليه أن يعارضه بصوتٍ عالٍ.. ولكن كما سبق أن قلتُ، إذ كان بطرس حارًّا في الروح، وملتهبًا في حبّه للمسيح، وفي غيرته غير المقيَّدة.. فإنّه يُعلِن أنّه سوف يحتمِل إلى النهاية.

    + إلّا أنّه وُبِّخَ لأنّه تكلّم بجهلٍ ضدّ ما كان معروفًا سابقًا، وأيضًا بسبب تسرّعه غير المتّزن في الاعتراض على كلمات المخلّص.

    + ليتنا لا نفكِّر بتعالٍ عن أنفسنا، حتّى ولو رأينا أنفسَنا متميّزين جدًّا بسبب فضائلنا؛ بل بالأحرَى فلنقدِّم تسابيح تشكُّراتِنا للمسيح الذي يفتدينا، وهو نفسه الذي يمنحنا الرغبة والقُدرة على فِعل الصلاح.

 [عن تفسير إنجيل لوقا للقدّيس كيرلّس السكندري (عظة 144) - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور نصحي عبد الشهيد]
القمص يوحنا نصيف