محرر الأقباط متحدون
أكد رئيس كنيسة الروم الكاثوليك في أوكرانيا، المطران سفياتوسلاف شيفتشوك، أن الصلاة المشتركة والغفران والمصالحة تمثل اليوم عناصر أساسية لمداواة جراح الحرب وبناء مستقبل أكثر سلامًا لأوكرانيا وأوروبا. وجاءت تصريحاته خلال استقباله أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان للعلاقات مع الدول رئيس الأساقفة غالاغر، الذي يزور أوكرانيا موفدًا خاصًا من البابا لاون الرابع عشر.

قال شيفتشوك في حديث لموقعنا الإلكتروني إن الحرب دفعت الكثيرين إلى إعادة اكتشاف قوة الصلاة وأهميتها، مشيرًا إلى أن الصلاة الجماعية ليست مجرد ممارسة دينية، بل مساحة تمنح المتألمين عزاءً ورجاءً، وتساعدهم على تضميد جراحهم الداخلية. وأضاف أن المسيح وعد بالحضور حيث يجتمع المؤمنون للصلاة باسمه، ولذلك فإن الصلاة مع موفدي البابا تحمل بعدًا أعمق، لأنها تعني الاتحاد بالصلاة مع الكنيسة الجامعة ومع الحبر الأعظم نفسه.

وأعرب رئيس كنيسة الروم الكاثوليك عن امتنانه لزيارة رئيس الأساقفة غالاغر، كما استذكر زيارة الكاردينال زوبي، رئيس مجلس أساقفة إيطاليا، إلى أوكرانيا قبل أيام، معتبرًا أن حضور مبعوثي البابا يمنح الشعب الأوكراني شعورًا بأنه ليس وحيدًا في محنته، بل إن الكنيسة الكاثوليكية في العالم كله تحتضنه وتصلي من أجله. وقال إن هذه الزيارات تحمل رسالة تضامن ملموسة وتشجع المؤمنين على التمسك بالرجاء رغم استمرار الحرب.

هذا ثم توقف سيادته عند التعاون القائم بين مختلف الكنائس والطوائف الدينية داخل أوكرانيا في مواجهة الأزمة الإنسانية. وأوضح أن الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت، إلى جانب اليهود والمسلمين، يعملون معًا ضمن مجلس الكنائس الأوكراني، الذي يحتفل هذا العام بمرور ثلاثين سنة على تأسيسه. وأضاف أن هذه الشراكة تتجاوز الانتماءات الدينية، إذ تهدف قبل كل شيء إلى إنقاذ الأرواح وتقديم العون للمحتاجين، مؤكدًا أن المحبة المسيحية لا تعرف حدودًا مذهبية، بل تتوجه إلى كل إنسان متألم دون تمييز.

في سياق حديثه عن الواقع الإنساني، أشار شيفتشوك إلى أن ملايين الأوكرانيين ما زالوا يعيشون أوضاعًا بالغة الصعوبة نتيجة الحرب المستمرة. وأوضح سيادته أن أحد المسؤولين في مدينة كييف أخبره بأن السكان يحتاجون إلى كلمة رجاء بقدر حاجتهم إلى الخبز والملابس، وهو ما دفع الكنيسة إلى التركيز على رسالتها الروحية إلى جانب نشاطها الإنساني. وقال إن زمن الحرب تحول إلى فرصة جديدة لإعلان الإنجيل، لأن كثيرين باتوا يبحثون عن الله وسط الألم والدمار، معتبرًا أن الكنيسة مدعوة إلى مرافقة هؤلاء، وتقديم كلمة الله وسر الإفخارستيا وكل ما يعيد إليهم الثقة بالحياة.

هذا ولفت شيفشوك إلى أن أوكرانيا تحيي هذا العام الذكرى الخامسة والعشرين لزيارة البابا القديس يوحنا بولس الثاني، الذي جعل من المصالحة بين شعوب أوروبا جزءًا أساسيًا من رسالته. وأشار إلى أن البابا البولندي كان يؤكد دائمًا ضرورة شفاء الذاكرة التاريخية للشعوب الأوروبية، ولا سيما تلك التي ما زالت تحمل آثار الحرب العالمية الثانية. وأضاف أن الحرب الحالية أضافت جراحًا جديدة إلى تلك الذاكرة المثقلة بالآلام، الأمر الذي يجعل الحاجة إلى المصالحة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

وأكد سيادته أن العلاج الحقيقي لهذه الجراح لا يكمن في تجاهل الماضي أو نسيانه، بل في الغفران المتبادل. وقال إن جميع الشعوب تحمل في ذاكرتها صفحات مؤلمة، لكن لا ينبغي أن تبقى أسيرة لهذه الذكريات. فالماضي لا يمكن تغييره، أما المستقبل فيمكن بناؤه بروح جديدة قائمة على التسامح والمصالحة.

وختم شيفشوك حديثه لموقعنا مشددا على أن الغفران، حين يُمنح ويُقبل، يصبح الدواء القادر على شفاء الذاكرة التاريخية للشعوب الأوروبية، ويفتح الطريق أمام سلام حقيقي ودائم، وهو السلام الذي تحتاج إليه أوكرانيا اليوم، كما تحتاج إليه أوروبا بأسرها.