مجدي جورج
الموضوع ليس تصريحًا عابرًا من حاكم بوركينا فاسو الشاب، بل هو تعبير عن خطر داهم يحاصر هذا البلد الأفريقي.
أولًا:
بوركينا فاسو، التي كانت تدور في فلك فرنسا منذ استقلالها وحتى سنوات قليلة مضت، شهدت انقلابًا عسكريًا أطاح بحكومة الرئيس السابق بليز كومباوري، ثم توالت على الحكم عدة شخصيات، أغلبها عسكرية، إلى أن تولى النقيب إبراهيم تراوري السلطة، بالتزامن مع انقلابات مماثلة في مالي والنيجر، أوصلت جنرالات شبابًا إلى الحكم في تلك الدول.
ثانيًا:
كان من أولى قرارات هؤلاء الجنرالات الشباب التخلص مما اعتبروه سبب أزماتهم وناهب ثرواتهم، وهو الوجود الفرنسي في بلادهم، متناسين أنه إذا كانت فرنسا قد استفادت من وجودها هناك، فإن تلك الدول استفادت أيضًا من جوانب عديدة خلال تلك الفترة.
ثالثًا:
لذلك، قاموا بطرد القوات الفرنسية الموجودة في بلدانهم، وهي القوات التي جاءت في الأساس بناءً على طلب الحكومات السابقة لمواجهة الجماعات المتطرفة. وكانت هذه الجماعات قد سيطرت على مساحات واسعة من مالي، ولولا التدخل الفرنسي لما أمكن استعادة تلك المناطق وطردها.
رابعًا:
بعد طرد القوات الفرنسية، اتجهت هذه الدول الثلاث إلى الاستعانة بروسيا عبر مجموعة فاغنر. إلا أن وجود المجموعة تراجع من حيث الحجم والتمويل بعد مقتل مؤسسها. ومع ضعف هذه القوة، وعدم امتلاك مالي جيشًا قويًا قادرًا على ملء الفراغ، تمكنت جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة، بالتعاون مع بعض فصائل الأزواد، من السيطرة على مساحات واسعة من مالي، وأصبحت تهدد العاصمة باماكو منذ عدة أشهر. ولم تكتفِ هذه الجماعات بذلك، بل امتد تهديدها إلى النيجر وبوركينا فاسو.
خامسًا:
هذه الجماعات المسلحة التي احتلت أجزاءً كبيرة من مالي تمثل تهديدًا مباشرًا لبوركينا فاسو. ولذلك، فإن إبراهيم تراوري، الذي يدرك طبيعة هذا الخطر، يرى أن أياد أغ غالي، زعيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بالقاعدة، تأثر بأفكار اكتسبها خلال مراحل مختلفة من حياته، ويخشى أن يعود بعض شباب بلاده الذين يدرسون العلوم الشرعية في بعض الدول العربية حاملين أفكارًا متشددة تؤدي إلى تشكيل جماعات مسلحة تعيد إلى بوركينا فاسو ما حدث في مالي.
سادسًا:
ورغم حداثة سنه، فإن الرجل يبدو واعيًا بالتاريخ، وبما تعرض له الأفارقة من تدخلات خارجية، ومنها التدخل العربي والإسلامي. فهو يدرك أن تجارة الرقيق عبر الصحراء استمرت قرونًا، وأن التجار العرب كانوا جزءًا من تلك التجارة، كما يعلم أن ممارسات الرق استمرت في بعض المناطق حتى عصور قريبة. ويستحضر أيضًا ما جرى في السودان من صراعات ومجازر، خاصة في دارفور، والتي راح ضحيتها مئات الآلاف من المدنيين.
سابعًا:
وإذا كان الأوروبيون قد ارتكبوا أخطاءً جسيمة في أفريقيا خلال الحقبة الاستعمارية، فإن التاريخ يسجل أيضًا ممارسات وانتهاكات ارتبطت بأطراف عربية وإسلامية. كما أن الجرائم التي ارتكبتها جماعات متشددة مثل بوكو حرام، وبعض الجماعات المسلحة المنتمية إلى قومية الفولاني، ضد مسيحيي نيجيريا، ووصول تهديداتها إلى بوركينا فاسو، تُعد - من وجهة نظر الكاتب - امتدادًا لأفكار متشددة تلقاها بعض قادتها أثناء دراستهم للعلوم الشرعية، ومن بينهم أبو بكر شيكاو، زعيم بوكو حرام.
ختامًا، فإن إبراهيم تراوري، رغم حداثة سنه، يبدو مدركًا لحجم الخطر الذي يهدد بلاده، ويرى أن مواجهة التطرف الفكري لا تقل أهمية عن مواجهة الجماعات المسلحة نفسها.
مجدي جورج





