الأصوليّة وعلم النفس (٢)
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
ترجمة كاملة لمقال:
Peter Michaelson, Fundamentalism and the Psyche, January 23, 2017.
٢. الاهتداء
يمثّل الاهتداء الجانب الثاني من الأصوليّة المسيحيّة، والمقصود به شعور الإنسان بأنه وُلد من جديد في المسيح بطريقة شبه سحريّة. فالاهتداء، في هذا المعنى، هو استسلامٌ عاطفي لقوّة أعلى. فلا يشعر الإنسان فقط بأنه غارق في محبّة الله، بل بأنه أصبح مملوكًا لله ومحميًّا ومضمونًا لديه. ومن الناحية
النفسيّة، يرى الكاتب أن هذا قد يكون نوعًا من الارتداد إلى حالة طفوليّة، كأن الإنسان يعود إلى رحمٍ يمنحه الأمان. وهكذا يُعفى الأصوليّ، إلى حدّ ما، من مشقّة النضج ومواجهة ذاته. فهؤلاء لا يهربون من العالم الخارجي بقدر ما يهربون من عالمهم الداخلي: من الفوضى، والتناقضات، والرغبات، والمخاوف التي تسكن النفس. وما يرعبهم خصوصًا هو الشعور بأنهم أسرى ذاتٍ مؤلمة، وخاطئة، وغامضة، لا يستطيعون فهمها أو تجاوزها.
لا تظهر هنا صورة الإنسان البطل القادر على النمو، بل يبرز صوت داخلي ضعيف يقول: «الله يحبّني؛ ولعلّي أستطيع، بسبب ذلك، أن أحبّ نفسي قليلًا». هذا الخوف الداخلي، الذي يكون في أحيان كثيرة غير واعٍ، يتحوّل إلى تعلّق عاطفي، وإلى موضع ثابت داخل النفس، بل إلى جزء من هوية الإنسان. ولذلك يمنح الاستسلام العاطفي في لحظة الاهتداء شعورًا قويًّا بالراحة؛ لأن هذا الشعور يخدم دفاعًا نفسيًّا عميقًا. فالإنسان الذي يشعر بأنه وُلد من جديد يقول في أعماقه، من غير وعي: لا أريد أن أعيش مع هذا الخوف من أعماقي المجهولة، ولا أريد أن أشعر بالعجز عن تجاوزها. انظروا كم أشعر بالراحة الآن، بعدما صرت مطمئنًّا إلى أنني لا أخاف شيئًا، وأنه لا يوجد في داخلي ما يحتاج إلى فحص أو علاج، لأنني أصبحت آمنًا في حضن الرب.
يستخدم التحليل النفسي مصطلح «الانشطار» لوصف ما يحدث هنا. والانشطار آليّة دفاعيّة شائعة، لكنها بدائيّة؛ وفيها يعجز الإنسان عن رؤية الصفات الإيجابيّة والسلبيّة في نفسه وفي الآخرين بوصفها أجزاءً من شخص واحد معقّد. فيرى العالم في صورة متطرّفة: خير أو شر، أبيض أو أسود. ومن خلال هذا الانشطار، يحاول الأصوليّ، خوفًا من رغبات النفس ونزواتها وإغراءاتها الجنسيّة، أن يجعل نفسه «صالحًا» بأي ثمن. فينفصل عن الجزء الذي يراه
«سيئًا»، ويتخيّل أنه انتقل بالكامل إلى جانب «الخير». لكن هذا الانتقال وهم. ويمكنه أن يقوّي هذا الوهم، ويعزّز شعوره بصلاحه، حين يدين الآخرين أو يشعر بتفوّقه عليهم، لأنهم في نظره ينتمون إلى جانب «الشر».
٣. التبشير (الدعوة، أو التحوّل إلى داعية)
يمثّل التبشير الجانب الثالث من الأصوليّة. ويظهر حين ينقل الإنسان انشطاره الداخلي إلى العالم الخارجي. فهو يرى أمامه أرواحًا غارقة في الخطيئة والضلال وتحتاج إلى الخلاص. لكن ما يراه في الآخرين قد يكون في الحقيقة صورةً مكبوتة من نفسه هو: إحساسًا داخليًّا بأنه سيئ أو خاطئ، رفض
الاعتراف به، ثم أسقطه على غيره. حين يرى الآخرين خطاةً ضالين، أو في أحسن الأحوال حمقى مضلَّلين، يستطيع أن يحافظ على صورة نفسه بوصفه إنسانًا قد اهتدى ووجد الحق. ويقول دفاعه النفسي غير الواعي: لا أريد أن أشعر بأنني مثل هؤلاء، كائنًا ضعيفًا وخاطئًا ومشوَّهًا، لأن هذا سيوقظ الألم
داخلي. انظروا كم أبذل من جهد لتحويلهم إلى الإيمان! إنني أريد لهم أن يروا النور. وقد يتخذ الدفاع شكلًا آخر: لا أريد أن أكون مثلهم؛ والدليل أنني أهاجمهم وأدينهم بشدّة. تجعله هذه العقليّة الواثقة من برّها يظنّ أنه بلغ الحقيقة كاملة. لكنها، بحسب الكاتب، ليست سوى وسيلة لإخفاء انفصاله عن ذاته المعقّدة والمربكة التي يحاول إنكارها.
وفي نوع من تعظيم الذات، يعتقد أنه أصبح قادرًا على إنقاذ الآخرين. وكلما شعر بتفوّقه على «النفوس العمياء»، ازداد اقتناعه بصحّة اهتدائه. وكلما نجح في تحويل الآخرين إلى رؤيته، شعر بمزيد من الأمان في هويته الجديدة. ومع ذلك، يظلّ منفصلًا عن ذاته الحقيقيّة؛ لأن إنكاره لما في داخله من ضعف و«سوء» يمنعه من المصالحة مع نفسه. وهذا الانفصال الداخلي ينعكس في انفصاله عن العالم الذي يراه سيئًا، وعن الناس الذين يصنّفهم أشرارًا.
للمقال بقيّة
للإبرة وخزاتٌ أخرى:





