ترجمة كاملة لمقال:
Peter Michaelson, Fundamentalism and the Psyche, January 23, 2017.
٤. النزعة الرؤيويّة apocalypticism
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
تمثّل النزعة الرؤيويّة الجانب الرابع من الأصوليّة، ويرى الكاتب أنها قد تعبّر عن رغبةٍ غير واعية في الموت. فإن كان اعتقاد الأصوليّ بأنه سينجو في النهاية، لكنّه يتبنّى في أعماقه الموت بوصفه الحلّ الأخير. ويتماهى مع كل ما سيُدمَّر، لأنه يشعر في داخله بأنه هو أيضًا بلا قيمة وغير جدير ومثير للاحتقار.
كما تحمل هذه الرؤية رغبةً في محو كل دليل على مسؤوليته عن شقائه وإخفاقه. فلا بد من تدمير كل احتمال للخلاص بوسائل إنسانيّة أو دنيويّة. ولا يستطيع أن يطمئن إلى وهم صلاحه إلّا حين يُقضى تمامًا على نقيض هذا الصلاح: كل ما هو مختلف، أو خاطئ، أو شرير في نظره. وهو شديد اليأس في محاولته إخفاء شعوره الداخلي بالخطيئة، إلى درجة أنه قد يقبل التضحية بالإنسانيّة نفسها بوصفها خسائر جانبيّة.
فالرؤية الرؤيويّة، في رأي الكاتب، ليست نبوّة فقط؛ إنها أيضًا أمنية. فبعض الأصوليين يريدون حدوث النهاية فعلًا. ويحاول بعض الأصوليين الإسلاميين ذوي النزعة الإرهابيّة دفع العالم نحوها. ويظهر كره الآخرين في الرغبة في إبادة كل من هو خارج جماعة «المختارين». غير أن هذا الكره ليس سوى إسقاط لرفض الإنسان نفسه وكراهيته لها. لكنه يبقى عرضًا لمشكلة أعمق.
فالنظرة الرؤيويّة صورة من صور العدوان العنيف. وهذا العدوان، وهو شر في ذاته بالتأكيد، ويظهر بوصفه نزعة إلى الموت، ينتصر فيها الموت على الحياة، ويشعر الإنسان خلالها بلذّة منحرفة في عدوانه الذي يراه عادلًا ومقدّسًا. لكن هذا العدوان لا يصيب «الشر» الحقيقي، بل يهاجم صورة متخيّلة للشر، أي الأشخاص والجماعات التي أسقط الإنسان عليها مخاوفه ورغباته المكبوتة. وما يقف خلف هذا العدوان الموجّه في المكان الخطأ هو السلبية الداخليّة. فالإنسان يكون شديد السلبية في أحد طرفي حياته النفسيّة، ثم يظهر في الطرف الآخر في صورة عدوانيّة انفجاريّة وقياميّة.
يكفي القول إنّ الأصوليين، بسبب انفصالهم العميق عن ذواتهم، يكونون في الغالب شديدي السلبية. ويتجلّى ذلك في تسليم عقولهم للعقيدة الجاهزة، وفي ولائهم للأنظمة السلطويّة.
وللتعويض عن هذه السلبية الداخليّة، قد يظهرون صورًا مؤذية وغير مناسبة من العدوان، مثل الغضب، وإلقاء اللوم، والتعصّب، والكراهية، والإدانة، والعنف، والنزعة إلى الحرب.
وتظهر هذه السلبية أيضًا في عجز كثيرين عن الارتقاء إلى تحدّي عيش حياة كريمة في عالم يتغيّر بسرعة اجتماعيًّا واقتصاديًّا وتقنيًّا. صحيح أنّه توجد معاناة حقيقيّة تسبّبها أخطاء كثير من القادة السياسيين ورجال الأعمال في الغرب، لكن السلبية الداخليّة تجعل الناس أقل قدرة على مواجهة هذه التحديات مباشرة. وعدم استعدادهم لمواجهة حياتهم الداخليّة يجعل إصلاح الواقع الخارجي أصعب، كما يجعل عيش حياة كريمة ونبيلة أكثر صعوبة.
ويرى الكاتب أنّ الجوانب الأربعة المذكورة للأصوليّة تقوم على تشويه الواقع. فالإنسان المضطرب قد يشعر بدافع قهري إلى تحريف الواقع لكي يخدم أهدافًا نفسيّة لا واعية. فإذا كان هدفه غير الواعي هو الغرق في الشفقة على الذات، والشعور بالضعف والهزيمة والاضطهاد، فقد يعبّر عن عدوان زائف في صورة السخرية المريرة، والخبث، والحقد. وهذه كلها وسائل لإخفاء مشاركته السلبيّة في فشله.
وفي الختام، يشجّع الكاتب القارئ على تعلّم مبادئ علم النفس العميق. فالسلبية والخوف الداخليّان عنصران غير عقلانيين في النفس، ويمكن تجاوزهما إذا تعرّفنا إليهما وتعاملنا معهما. حين نكشف أنهما بقايا تعلّقات عاطفيّة من الطفولة، ونواجه ما هو غير عقلاني في داخلنا، نصبح أكثر قدرة على فهم العالم بذكاء ووضوح. ولعلّ أفضل دين هو أبسطها: توقّف عن الشكوى والبحث عن كبش فداء.
خفّف سلبيتك. افعل أفضل ما تستطيع. آمن بما فيك وفي الآخرين من خير. أحبّ قريبك، وأحبّ نفسك، وأحبّ الكوكب الذي يمنحك الحياة.
للإبرة وخزاتٌ أخرى:





