هالة الجيار
أثناء دراستي الجامعية، كنتُ بعيدةً عن بيتي، طالبةً في بلدٍ غريب، أسكنُ مع زميلاتٍ طالباتٍ مثلي في شقةٍ بالدور الأرضي، نتقاسمُ العيشَ والغربةَ معاً.

في يومٍ لم يكن في جدولي فيه أيُّ محاضرات، رنَّ الجرسُ فجأة. وعندما فتحتُ، وجدتُ أمامي امرأةً عجوزةً جداً. بدينة، حافيةُ القدمين، بملابسَ رثَّة، واقفةٌ مستندةٌ على حائط الباب وكأنَّ الوقوفَ نفسَه يُرهقها. لم أخَف، ولا أعرف لماذا بالضبط، ربما لأنَّ وجهَها لم يكن يحمل ما يُخيف، بل كان يحمل تجاعيدَ وتعباً صنعَته السنونُ بمهارة.

قالت: هل من الممكن أن تُعطيني أيَّ شيءٍ يا ابنتي؟ وخذي بيدي لأجلس، فأنا لا أقوى على الوقوف.

قلتُ لها: تفضلي. واستندَت على يدي برغم ثقلها، لكنَّني تحمَّلتُ حتى أجلستُها على كرسيٍّ كان بجوار الباب. وعندما أُفكِّر في الأمر الآن أقول: كيف لم أخَف؟ من أين يأتي اليقين بأنه لا يوجد من ورائها مَن يؤذيني أنا وزميلاتي المتواجدات داخل حُجَرهن؟ كنتُ أملكُ وقتَها قدراً من البساطة والسلام ربما لا أملك نصفَه الآن.

أعطيتُها ما كان موجوداً، فالطلابُ المغتربون لا يملكون الكثير من الأساس، لكنَّني أعطيتُها دون تفكير. ودَّعتُها، قالت لي دعواتٍ جميلة فشكرتُها، وشكرتُ الله على تلك البركة التي أرسلها إليَّ في هيئة زيارةٍ لم أتوقعها.

ثم عادت في نفس الميعاد، في الأسبوع التالي، في الصباح الباكر، وكأنَّها دوَّنت في دفتر ذاكرتها موعدَ وجودي. ثم توالت الزيارات كلَّ أسبوع، وكلُّها بنفس الأسلوب.

في مرةٍ من المرات، توقفتُ أتساءل كيف تأتي وحدها بهذه الحال، وكيف تعود إلى بيتها. أخذني الفضول، فعندما أوصلتُها إلى الباب كعادتي، لم أُغلقه ورائها، بل وقفتُ أنظر وأراقب.

رأيتُ رجلاً طويلاً ليس شاباً، يرتدي جلباباً، وجهٌ عابسٌ لا تقرأ فيه شيئاً سوى القسوة الصامتة. كان واقفاً على بُعد خطوات، متوارياً ينتظرها. لم يتحرك ليساعدها، بل تركها تنزل بضعَ درجاتٍ متكئةً على الحائط، وعندما وصلت إلى باب العمارة، مدَّ يده وأخذ منها ما أعطيتُه لها، ومشيا في صمت.

سألتُها في المرة التالية: ومَن هذا؟
قالت بنبرةٍ خائفة: هذا ابني.
وصمتَت، ولم تقل شيئاً.
وفهمتُ أنا كلَّ شيء.
ثمَّة صورٌ لا تتركُ ذاكرتَك. تبقى في مكانٍ خفيٍّ وتعود حين ترى ما يُشبهها.

لم أنسَ قدمَيها الحافيتَين شتاءً وصيفاً على الأرض الخشنة. ولم أنسَ صوتَ قدمَيها وهي تُسحَبان، لا تمشيان، تُسحَبان، لأنَّها لم تكن تقوى على رفعهما من التعب وثقل جسدها. ولم أنسَ جلبابَها الأسود البالي الذي كانت رائحتُه تحكي أنها ترتديه منذ أيامٍ كثيرة.

وجال في خاطري: كيف يصل الإنسان إلى مرحلةٍ من الضعف تجعله لا يستطيع أن يقول لا؟ ليس لأنَّه اختار ذلك، بل لأنَّه لا يملك خياراً. ذلك الضعفُ الذي يجعل الناسَ في يد غيرهم لا يُختار، يُفرَض، يُصيب صاحبَه بنوعٍ من الاستسلام القسري، يأتي مع كِبَر السنِّ أو المرض أو الخوف أو الفقر، أو كلِّ ذلك مجتمعاً.

ولم أفهم، ولا أزال لا أفهم، ما الذي يجعل إنساناً يفعل هذا بأمِّه، أو بأيِّ إنسانٍ آخر ضعيفٍ لا يستطيع النجاةَ من هيمنته. كيف لإنسانٍ أن يخون إنسانيَّتَه ويبيعها بثلاثين من الفضة، مرةً أخرى، مثلما فعل يهوذا؟

يهوذا لم يخترع شيئاً جديداً. لكنَّه كشف أنَّ في الطبيعة البشرية ثغرةً قديمة: أنَّ ثمَّة مَن يخون إنسانيَّتَه ويسلب إنسانيَّةَ غيره أيضاً، ثم ينام مرتاحَ البال دون أن يُحاسبَه ضميرٌ.

وكم من يهوذا يمشي بيننا الآن. لا يلزم أن يبدو شريراً، قد يبدو عادياً تماماً، لكنَّ في يده إنساناً لا يقدر أن يتحرك من غيره. وليس بالضرورة أن يجعله يشحذ ويمدَّ يده للناس، فللاستغلال أوجهٌ عديدة يتعجَّب منها الشيطانُ نفسه.

أُقابل في حياتي وجوهاً كثيرة من سيداتٍ ورجالٍ وأطفال، وأرى في بعضها ما يُشبه نظرةَ تلك المرأة البائسة. وأتمنَّى بصدق، تمنِّياً حقيقياً، ألَّا يكون في حياة أيٍّ منهم يهوذا آخر.

يهوذا آخر باع إنسانيَّتَهم بثلاثين من الفضة، ويتابع طريقه.
لكم مني كلُّ الحب.
تأملاتٌ عابرة من الحياة