القمص يوحنا نصيف
    يَذكُر القدّيس لوقا في إنجيله، أنّ ربّنا يسوع المسيح بعد العشاء الأخير "خَرَجَ وَمَضَى كَالْعَادَةِ إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ، وَتَبِعَهُ أَيْضًا تَلَامِيذُهُ. وَلَمَّا صَارَ إِلَى الْمَكَانِ قَالَ لَهُمْ: صَلُّوا لِكَيْ لَا تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ. وَانْفَصَلَ عَنْهُمْ نَحْوَ رَمْيَةِ حَجَرٍ وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَلَّى قَائِلًا: يَا أَبَتَاهُ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هَذِهِ الْكَأْسَ. وَلَكِنْ لِتَكُنْ لَا إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ.. ثُمَّ قَامَ مِنَ الصَّلَاةِ وَجَاءَ إِلَى تَلَامِيذِهِ، فَوَجَدَهُمْ نِيَامًا مِنَ الْحُزْنِ. فَقَالَ لَهُمْ: لِمَاذَا أَنْتُمْ نِيَامٌ؟ قُومُوا وَصَلُّوا لِئَلَّا تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ" (لو22: 39-46). 

    يُقَدِّم القدّيس كيرلّس الكبير تعليقًا بديعًا على هذه الفقرة، فيقول:
    + يطلب ربّنا يسوع المسيح من الذين يحبّونه أن يكونوا باحثين مدقّقين بخصوص كلّ ما كُتِبَ عنه، لأنّه يقول: "يُشبه ملكوت السموات كنزًا مُخفَى في حقل" (مت13: 44)؛ لأنّ سرّ المسيح مودَع -إن جاز القول- على عمقٍ عظيم، وهو ليس واضِحًا للكثيرين. أمّا الذي يرفع الغطاء عنه بواسِطة المعرفة الدقيقة، فهو يجد الكنز المُخَبَّأ هناك.

    + هذا يُشبه المرأة الحكيمة، أعني مريم، التي قال عنها المسيح إنّها "اختارت النصيب الصالح الذي لن يُنزَع منها" (لو10: 42). لأنّ هذه الأمور الأرضيّة والمؤقّتة تذبل مع الجسد، أمّا الأمور الإلهيّة والعقليّة والتي تنفع حياة النفس، فهي ثابتة تمامًا، ولا يمكن أن تتزعزع. لذلك هيّا بنا نتطلّع إلى معنى الدروس الموضوعة أمامنا.

    + أرجوكم أن تنظروا هنا إلى عمق التدبير في الجسد.. يقول الكتاب إنّه ابتدأ يحزَن ويكتئب. لأيّ سبب أيّها الرب؟ هل أنت أيضًا ترتعب من الموت؟ هل أنت أيضًا يستولي عليك الخوف، وتتراجع أمام الألم؟ وأيضًا ألستَ أنت الذي علّمتَ الرسل القدّيسين ألّا يُبالوا بأهوال الموت بقولك: "لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد، ولكنّ النفس لا يقدرون أن يقتلوها" (مت10: 28)؟!

    + وأكثر من هذا، إن قال أحدٌ أنّ نعمة الثبات الروحي هي عطيّتك للمختارين، فلا يكون قد حاد عن الصواب؛ لأنّ كلّ قوّة هي من عندك، وكذلك أيضًا كلّ ثقة وكلّ شجاعة في كلّ مواجهة ضارية. أنت الحياة بالطبيعة. أنت عِلّة الحياة، ونحن نتطلّع إليك كمُخَلِّص ومُنقِذ ومُحَطِّم للفساد. مِنكَ يَقتَبِل الجميع حياتَهم ووجودهم. أنت خلقتَ كلَّ ما يتنفّس. الملائكة لك ومنك وبك، وهكذا أيضًا جميع الخليقة العاقلة. كيف إذن تَحزَن وتكتئب وتتأسَّى حتّى الموت؟

    + من الواضح أنّك تَعلَم أنّك أنت هو الله بالطبيعة، وتَعلَم كلّ ما هو مُزمِعٌ أن يحدث، وأنك باحتمالك الموت في الجسد سوف تُحَرِّر سكان الأرض كلّها من الموت، وسوف تَهزَأ بالشيطان، وسوف تُقِيمُ نَصْبًا للنصرة على كلّ قوّة شريرة ومُقاوِمة، وأنّك سوف تكون معروفًا لكلّ شخص، وتُعبَد كإله وخالق للجميع. أنت تَعرِف أنّك سوف تبيد الهاوية، وأنّك سوف تُخلِّص الذين هناك من الرباطات التي كابدوها لأجيالٍ عديدة، وأنّك سوف تَجذِب إلى نفسك كلّ مَن هم تحت السماء. فلأيّ سببٍ إذن تَحزَن وتكتئب؟

    + إنّه يقول: نعم، ليس بدون مناسبة أن أُوجَد هكذا في هذا الكرب، لأنّني أعرف حقًّا أنّه بقبولي أن أقاسي الألم على الصليب، فإنّني سوف أُخَلِّص كلّ الذين تحت السماء من كلّ شرّ، وأكون سببًا لبركات لا تُحصَى لجميع سُكّان الأرض. أنا لا أجهل أنّي سأحلّ وثاقات الموت وسأُبطِل اضمحلال الأجساد، وسأهزِم طغيان الشرّير وأهب غفران الخطايا. ولكن، ما يحزنني هو بخصوص البِكر إسرائيل؛ لأنّه مِن الآن فصاعِدًا، لن يعود يُحسَب، حتّى ولا بين الخُدّام..

    + الذي له المواعيد سوف يُجَرَّد تمامًا من جميع مواهِبي، والكَرْم المختار مع عِنَبِه الجيّد سوف يصير من الآن فصاعِدًا أرضًا جرداء، مكانًا مُقفِرًا بلا ماء، لأنّي سوف آمُرُ السحُب بألّا تُمطِر عليه (إش5: 6س). أخبِرني إذن ألا يَشعُر صاحب الكرْم بالكرب بسبب ذلك، عندما يصير كرمُهُ خَرِبًا وقَفرًا؟ أيّ نوعٍ من الرعاة يكون هذا من القسوة والشدّة فلا يتأثّر عندما يَتلَف قطيعه؟ كيف لا يتألّم لأجله؟ إنّ هذه الأشياء مُجتمِعَةً هي سبب حزني.

    + لأنّني أنا هو الله اللطيف الرحيم الذي يحبّ الصفح والإنقاذ، والذي ليست لي مسرّة بموت الخاطئ مثلما يرجع عن طريقه الشرير فيحيا (حز18: 23س).. فإنّني لا أكون فقط فَرِحًا بما هو مُسِرٌّ، بل وأشعر أيضًا بالأسى لكلّ ما هو مُحزِن.

    + من الضروري أن أضيف لِمَا قيل أنّ أوجاع الحُزن، والكآبة، لا يُمكِن إرجاعها إلى طبيعة الكلمة الإلهيّة التي هي غير قابِلة للألم، لأنّه من المستحيل أن تتألّم، إذ أنّ هذه الطبيعة تعلو على كلّ ألم، ولكنّنا نقول إنّ الكلمة المتجسِّد شاء أن يُخضِع نفسه إلى قياس الطبع البشري، بأن فرض على نفسه أن يُقاسي ما يخصّه (أي ما يخصّ الطبع البشري).

    + حيث أنّه قيل إنّه جاع مع إنّه الحياة وسبب الحياة والخبز الحيّ، وقيل إنّه تعب من رحلة طويلة مع إنّه ربّ القوّات، هكذا قيل أيضًا إنّه حَزنَ وبَدَا أنّه قادر أن يتألّم، لأنّه لم يكن من المناسب أنّ هذا الذي أخضَعَ نفسَه للإخلاء ألّا يشترِك في معاناة الأمور البشريّة. فكلمة الله الآب إذن هو خالٍ تمامًا من كلّ ألم، ولكن بحكمةٍ ولأجل التدبير فإنّه أخضَعَ ذاته للضعف البشري، حتّى لا يَظهَر أنّه يَرفُض ما يتطلّبه التدبير (تدبير التجسُّد).

 [عن تفسير إنجيل لوقا للقدّيس كيرلّس السكندري (عظة 146) - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور نصحي عبد الشهيد]
القمص يوحنا نصيف