الأصولي الذي لا يقرأ الأدب… ثمّ يشرح لك الكتاب المقدّس!

 الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
من المشكلات العميقة عند قطاع من الأصوليين في المنطقة الناطقة بالعربيّة أن علاقتهم بالأدب ضعيفة جدًا. لا شعر، ولا رواية، ولا مسرح، ولا اهتمام حقيقي بكيف يشتغل السرد، وكيف تُبنى الشخصيات، وما الفرق بين الرمز والاستعارة والمبالغة والحكاية والمثل والرؤيا. وبعد كل ده، يفتح الكتاب المقدّس، الذي هو، إلى جانب مكانته الدينيّة، "مكتبة أدبيّة هائلة"، ويقرّر أن يُقرأ كله بالطريقة نفسها: الجملة معناها المعجمي المباشر، وانتهينا. 

المشكلة هنا أعمق من خلاف ديني حول "الحرفيّة". هي في الأساس مشكلة "ثقافة أدبيّة". الكتاب المقدّس أصلًا مش "كتاب" بالمعنى الحديث، كتبه مؤلف واحد في زمن واحد وبأسلوب واحد. هو مكتبة تكوّنت على مرّ قرون، بلغات وثقافات مختلفة، وتجاور فيها الرواية التاريخيّة، والشعر، والحكمة، والأمثال، والترانيم، والرؤى، والرسائل، والسرد اللاهوتي. وسفر المزامير لا يُقرأ كما تُقرأ أخبار الملوك، ونشيد الأنشاد لا يُقرأ كأنه تقرير عن تشريح الجسد، وسفر الرؤيا لا يُقرأ كأنه نشرة أخبار مسبقة عن نهاية العالم. وده مش تجميل للنص، ولا حيلة حديثة اخترعها المفسرين لما اتزنقوا أمام النقد. ده ببساطة اللي بنعمله مع أي أدب محترم.

لما الشاعر  أبو فراس الحمداني يقول: «تكاد تضيء النار بين جوانحي إذا هي أذكتها الصبابة والفكر» محدش عاقل يروح يدور في سجلات المستشفيات: هل أبو فراس اتعالج فعلًا من حروق داخلية؟ وهل النار بين الضلوع ممكنة فيزيائيًّا؟ وهل درجة حرارتها كانت كافية فعلًا للإضاءة؟  مش لأننا بنهرب من النص، لكن لأننا بنعرف نقرأ شعر. بنعرف أن التجربة حقيقية، لكن اللغة التي تحملها أدبيّة.

والرواية كذلك. لو قرأت أن شخصية "ابتلعتها المدينة"، مش هتسأل عن مقاس فم القاهرة. ولو قال الكاتب إن الإنسان "صارع شياطينه طوال الليل"، مش هتطالب بصورة للشياطين من كاميرا المراقبة. القارئ يسأل أولًا: ما نوع النص؟ ما سياقه؟ ما الذي تفعله الصورة داخل الحكاية؟ ولماذا اختار الكاتب هذه اللغة؟

وهنا أزمة الأصوليّة: الخوف من تعدد مستويات المعنى. الأصولي يريد لغة مسطّحة، لأن اللغة المسطّحة تمنحه يقينًا مسطّحًا: النص يقول كذا، إذًا كذا، ومن فهم غير ذلك فقد حرّف النص. ولهذا تجد مفارقة طريفة: الأصولي الديني يقرأ النص حرفيًّا لكي يثبت أنه صحيح، وبعض من يخرجون من الأصوليّة إلى الإلحاد يواصلون القراءة الحرفيّة نفسها لكي يثبتوا أنه سخيف. تغيّرت النتيجة، وظلّت آلة القراءة كما هي. وده يفسّر ليه القراءة الأدبيّة تثير غضب الطرفين أحيانًا. لأنك عندما تقول إن النص له نوع أدبي، وسياق، وبنية سرديّة، ورمز، ومجاز، فأنت تسحب من القارئ امتيازًا عزيزًا جدًا: أن يكون أول معنى خطر له في خمس ثوانٍ هو "المعنى الوحيد الذي سمح الله" أو المؤلف للبشر بفهمه. والطريف أن نفس العقل الذي يحتقر المجاز والخيال في النصوص الدينيّة هو كثيرًا ما يكون العقل الذي يشك في الرواية والمسرح والموسيقى والفن أصلًا؛ لأن الفن بطبيعته يرفض أن حصره في "يعني إيه الكلام ده حرفيًّا؟". الإبداع يفتح احتمالات، والأصوليّة تحب أن تغلقها.

لذلك ربما قبل أن نختلف على تفسير الكتاب المقدّس، نحتاج إلى شيء مهمّ بكثير: أن نقرأ رواية. نسمع شعرًا. نشاهد مسرحية. ونتعلم أن اللغة الإنسانية أوسع قليلًا من محضر الشرطة، ومن التقرير الصحفي. لأن الذي لم يتصالح بعد مع الأدب، ستكون مهمته شديدة الصعوبة عندما يفتح كتابًا مقدّسًا هو، في الوقت نفسه، واحد من أغنى آثار الأدب القديم. أحيانًا لا تكون مشكلة الأصولي مع الكتاب المقدّس أنه يؤمن به أكثر من اللازم… ولكن أنه لم يتعلّم بعد كيف يقرأ كتابًا.

 الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ

للإبرة وخزاتٌ أخرى: