د. مينا ملاك عازر
يُمثل الاستهداف الأخير لسفينة تجارية تحمل العلم الأمريكي في نطاق البحر المتوسط بالقرب من الممر الملاحي لميناء دمياط حادثاً أمنياً مفصلياً، ينقل نطاق التهديدات الملاحية من البحر الأحمر ومضيق باب المندب إلى حوض شرق المتوسط.

فيما يلي تحليل مدقق ومفصل للجهات المحتمل ضلوعها في هذا العمل العسكري، مرفقاً بالأسباب والمبررات التكتيكية، واستبعاد الأطراف الأخرى بمبررات عسكرية، مع توضيح طبيعة الرد المصري المتوقع وفق أطر القانون الدولي والعرف العسكري والواقع الجيوسياسي:
الاحتمال الأول: فصائل جماعة أنصار الله الحوثيون أو فصائل المقاومة الإسلامية في العراق
الأسباب والمبررات: تعتمد هذه الجماعات استراتيجية ضرب الملاحة المباشرة المرتبطة بالمصالح الأمريكية أو الإسرائيلية. الحوثيون أعلنوا سابقاً نيتهم توسيع نطاق العمليات إلى البحر المتوسط باستخدام مسيرات وصواريخ ذات مدى ممتد لإثبات القدرة على ضرب سلاسل الإمداد الغربية في أي مكان. كذلك تمتلك الفصائل العراقية منصات إطلاق وإمكانية لتوجيه مسيرات عبر أجواء المنطقة لتنفيذ ضربات بعيدة المدى.

طبيعة الرد المصري المحتمل:
أ. تعزيز الوجود البحري والجوي لمنظومات الدفاع الجوي وتأمين المياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة في البحر المتوسط لمنع تكرار أي خرق.

ب. تحرك دبلوماسي وسياسي حازم عبر إرسال رسائل شديدة اللهجة لطهران والوسائط الإقليمية تؤكد أن الموانئ والمياه المصرية خط أحمر، وأن مساس الأمن القومي البحري يفرض تغييرات حاسمة في التعاطي مع الملفات الإقليمية.

ج. التنسيق الأمني والاستخباري في حوض شرق المتوسط لتبادل معلومات التتبع المبكر للمسيرات والصواريخ.

الاحتمال الثاني: حزب الله اللبناني
الأسباب والمبررات: يقع ميناء دمياط ضمن المدى الميداني والمباشر لإطلاق المسيرات والصواريخ من السواحل اللبنانية أو جنوب لبنان. يمتلك حزب الله ترسانة متطورة من المسيرات الاستطلاعية والهجومية، وله مصلحة في استهداف القطع والبوارج والسفن الأمريكية في المتوسط رداً على الضغوط والعمليات العسكرية.

لماذا يظل هذا الاحتمال قائماً لكنه أقل ترجيحاً؟
يتجنب حزب الله فتح مواجهة مباشرة مع مصر أو إدخال المياه الإقليمية المصرية في مسرح الصراع، لما يعنيه ذلك من خسران ورقة التواصل الدبلوماسي مع القاهرة، وتوريط الساحة اللبنانية المجهدة في مواجهة مع دولة إقليمية محورية.

طبيعة الرد المصري المحتمل:
أ. إنذار استخباري وسياسي مباشر لقيادة الحزب وعبر الحكومة اللبنانية بأن أي مساس بالمصالح المصرية أو استغلال القرب الجغرافي للحدود البحرية يعتبر مساساً خطيراً بالأمن القومي.
ب. فرض حظر وزيادة الرقابة البحرية على كافة السفن والتحركات قبالة السواحل اللبنانية والمياه الدولية المتاخمة.

الاحتمال الثالث: الدولة الإيرانية مباشرة الحرس الثوري الإيراني
الأسباب والمبررات: تمتلك إيران مسيرات طوفانية متطورة طويلة المدى، فضلاً عن سفن لوجستية وتجارية تعمل كمقرات عائمة في المياه الدولية. استهداف سفينة أمريكية يقدم رسالة لواشنطن بخصوص جاهزية طهران لفتح جبهات متعددة.

لماذا يُستبعد الضلوع المباشر للجيش أو الحرس الثوري الإيراني؟
تفضل طهران دائماً إبقاء مسافة أمان قانونية وسياسية عبر استخدام الفصائل والوكلاء الإقليميين لتفادي رد مباشر وقاسٍ من واشنطن على الأراضي الإيرانية نفسها، إضافة لرغبتها في تجنب صدام سياسي مباشر مع مصر في وقت تسعى فيه للحفاظ على خطوط التواصل الدبلوماسي مع القاهرة.

طبيعة الرد المصري المحتمل:
أ. استدعاء القائم بالأعمال أو السفير الإيراني وتوجيه تحذير حازم بوجوب وقف التمدد العملياتي في شرق المتوسط.
ب. مراجعة التفاهمات الإقليمية ومسارات التهدئة المتبادلة بين القاهرة وطهران.

الاحتمال الرابع: ضلوع أو تسهيل إسرائيلي عملية تحت علم مستعار
الأسباب والمبررات: تمتلك إسرائيل دوافع استراتيجية لتدويل أزمة الملاحة في البحر المتوسط. إحداث تهديد أمني قرب الموانئ المصرية يخدم تل أبيب في:
أ. تحويل النظر عن العمليات العسكرية في جبهات أخرى.

ب. دفع واشنطن والتحالف الدولي للتدخل العسكري المباشر والمكثف ضد الأهداف والأنفاق والمنشآت الحساسة التابعة لخصومها.
ج. الإضرار بالمركز اللوجستي للموانئ المصرية كمنافس إقليمي لموانئ شرق المتوسط.

طبيعة الرد المصري المحتمل:
أ. في حال ثبوت أي ضلوع أو تسهيل استخباري، يكون الرد عبر مراجعة شاملة وقاسية لمستويات التنسيق الأمني والسياسي، ووقف مجالات التعاون في ملفات غاز شرق المتوسط.
ب. استخدام الأوراق الدبلوماسية الدولية وفضح الواقعة استخبارياً أمام الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي لتأكيد مجافاة هذا السلوك لأبسط قواعد حسن الجوار والمواثيق الدولية.
ج. تعزيز منظومات الرصد والتنصت المبكر على طول الحدود البحرية والشريط الساحلي لمنع أي خرق للمجال الجوي المصري.

الاحتمال الخامس: عناصر أو شبكات غير حكومية تنظيمية خلايا منفردة أو مجموعات تهريب
الأسباب والمبررات: إمكانية حصول جماعات غير حكومية أو خلايا متطرفة على مسيرات انتحارية صغيرة أو متوسطة المدى وإطلاقها من زوارق مدنية أو منصات قريبة في المياه الدولية لخلق حالة إرباك أمني أو تنفيذ أجندات تخريبية مدفوعة.

طبيعة الرد المصري المحتمل:
أ. تشديد الحصار والمسح البحري المستمر على كافة الزوارق والسفن المشبوهة في المياه الدولية المتاخمة للمياه الإقليمية المصرية.
ب. تنفيذ ضربات استباقية وتفكيك أي بؤر أو شبكات لوجستية توفر التسهيلات أو منصات الإطلاق.
ج. تطبيق قواعد الاشتباك الفوري وتدمير أي هدف غير محدد الهوية لا يلتزم بالتحذيرات الملاحية قبل اقترابه من الموانئ الحيوية.

الخلاصة والقواعد الحاكمة للرد المصري:
تعتمد الدولة المصرية في كافة السيناريوهات على عدم الانجرار نحو ردود أفعال غير محسوبة، بل تستند إلى قواعد ثابتة:
أ. فرض الحماية التامة للحدود البحرية والموانئ عبر سلاح الجو والقوات البحرية.
ب. استخدام أدوات الرصد الاستخباري والتحقيق الدقيق قبل توجيه الاتهامات.
ج. تثبيت معادلة الردع التي تضمن أن أي مساس مباشر بالأمن القومي أو البنية التحتية للموانئ المصرية سيوجه بملف كامل من الردود السياسية، والعسكرية، والاقتصادية الحاسمة.