محرر الأقباط متحدون
تؤكد الكنيسة الكاثوليكية من خلال تعاليمها بدءاً من الرسالة العامة السلام في الأرض للقديس البابا يوحنا الثالث والعشرين، مروراً بالمجمع الفاتيكاني الثاني، وصولاً إلى البابا فرنسيس والبابا لاون الرابع عشر، تؤكد أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على سباق التسلح أو على توازن الرعب، بل على الثقة المتبادلة بين الشعوب، واحترام القانون الدولي، وتعزيز العدالة والدبلوماسية ونزع السلاح.

في هذا السياق لا بد من تسليط الضوء على رؤية الكنيسة لمسألة الردع العسكري، مع العلم أن التاريخ الحديث أظهر مراراً أن السلام القائم على التهديد باستخدام القوة ليس سلاماً مستقراً، بل هو حالة هشة يمكن أن تنهار بسبب خطأ تقني أو سوء تقدير أو تصعيد غير محسوب. كما أن سياسة الردع، رغم أنها تهدف إلى منع الحروب عبر امتلاك قوة عسكرية كبيرة، كثيراً ما أسهمت في زيادة التوترات وإدامة سباقات التسلح وظهور نزاعات بالوكالة وأشكال جديدة من عدم الاستقرار.

المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني وصف سباق التسلح بأنه أحد أخطر الآفات التي تواجه البشرية، مؤكداً أن السلام لا يولد من الخوف، وإنما من العدالة والثقة والالتزام بالقانون. كما أعاد التذكير بما دعا إليه البابا يوحنا الثالث والعشرون في رسالته العامة الشهيرة السلام في الأرض، عندما طالب بخفض متزامن ومتفق عليه للأسلحة، معتبراً أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يستند إلى ترسانات عسكرية متقابلة.

في هذا السياق، تبرز مواقف البابا لاون الرابع عشر الذي شدد في رسالته بمناسبة اليوم العالمي للسلام لعام ٢٠٢٦ على أن الردع النووي يجسد علاقة غير عقلانية بين الشعوب، لأنها تقوم على الخوف وهيمنة القوة بدلاً من العدالة والثقة وسيادة القانون. كما كرر البابا بريفوست في مناسبات أخرى أن الأسلحة النووية لا تصنع السلام، بل إن نزع السلاح هو الطريق الحقيقي لبناء عالم أكثر أمناً.

إن القراءة التاريخية لفكرة الردع تشير إلى أن التجربة الأوروبية قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى تقدم مثالاً واضحاً على محدودية هذا النهج. فقد أدى سباق التسلح البحري والبري بين القوى الكبرى إلى زيادة الشكوك المتبادلة ورفع مستوى الاستعداد العسكري، ما جعل اندلاع الحرب أكثر احتمالاً بدلاً من منعه.

أما خلال الحرب الباردة، والتي يستشهد بها البعض باعتبارها دليلاً على نجاح الردع النووي، فقد شهدت عدداً كبيراً من الأزمات الخطيرة التي كادت تدفع العالم إلى مواجهة نووية شاملة. لا بد من التطرق إلى حادثة السادس والعشرين من أيلول سبتمبر ١٩٨٣ عندما حال الضابط السوفيتي ستانيسلاف بيتروف دون اندلاع حرب نووية بعد أن أدرك أن إنذاراً بوجود هجوم صاروخي كان مجرد خطأ تقني. ومما لا شك فيه أن هذه الحادثة تكشف هشاشة السلام عندما يعتمد على أنظمة إنذار وأساليب ردع قد يؤدي أي خلل فيها إلى كارثة عالمية.

وهنا لا بد من القول إن هذا الطرح لا يقتصر على الجانب التاريخي، بل يستند أيضاً إلى نتائج دراسات علمية تشير إلى أن زيادة واردات الأسلحة في الدول الهشة ترتبط إحصائياً بارتفاع احتمالات اندلاع النزاعات الداخلية، حتى وإن لم تثبت هذه الدراسات وجود علاقة سببية مباشرة. ومع ذلك، فإن هذه النتائج تعزز الرأي القائل إن تراكم الأسلحة لا يمثل ضمانة موثوقة لتحقيق السلام.

ولا بد من أن تُؤخذ في عين الاعتبار آراءُ عدد من المفكرين البارزين في قضايا السلام، ومنهم الفيلسوف الإيطالي نوربرتو بوبيو، الذي رأى أن الوسيلة الأكثر ضماناً للقضاء على الحروب تتمثل في التخلص من الأسلحة، وإن كان يدرك الصعوبات السياسية التي تعترض هذا المسار عندما تتولى الدول نفسها إدارة عملية نزع السلاح. ولذلك دعا إلى تعزيز المؤسسات القانونية الدولية القادرة على فرض قيود حقيقية على سباقات التسلح.

كما لا بد من تسليط الضوء على أفكار الباحث النرويجي يوهان غالتونغ، أحد مؤسسي دراسات السلام، الذي ميّز بين "السلام السلبي"، أي مجرد غياب الحرب، و"السلام الإيجابي" القائم على إزالة أسباب العنف والظلم. ويرى غالتونغ أن الأمن المبني على التسلح لا يحقق سوى هدنة مؤقتة، بينما يتطلب السلام الدائم نزعاً تدريجياً للأسلحة، وآليات فعالة للوساطة، ومؤسسات قادرة على معالجة النزاعات بعيداً عن التهديد بالقوة.

كما أن البابا فرنسيس سبق أن وصف الردع النووي بأنه لم يعد مناسباً لمواجهة تحديات العصر، مؤكداً أن مجرد امتلاك الأسلحة النووية يعد أمراً غير أخلاقي. أما البابا لاون الرابع عشر فقد ذهب خطوة أبعد عندما كتب أن الأسلحة الذرية لا تولد السلام، وإنما الذي يصنع السلام هو نزع السلاح.

هذا ولا بد من الإشارة إلى الارتفاع الكبير في الإنفاق العسكري العالمي، الذي بلغ عام ٢٠٢٤ حوالي تريليونين وسبعمائة وثمانية عشر مليار دولار، بزيادة تقارب عشرة في المئة عن العام السابق، وهو ما يعادل نحو اثنين ونصف في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وهذه الأرقام تعكس استمرار سباق التسلح على حساب الاستثمار في التعليم والصحة والتنمية والتعاون الدولي.

إن السلام الحقيقي يولد من الثقة المتبادلة، واحترام القانون الدولي، والدبلوماسية، والعمل المتواصل من أجل نزع السلاح، باعتباره خياراً أخلاقياً وسياسياً وتاريخياً يضمن مستقبلاً أكثر استقراراً وأمناً للبشرية.