يوسف إدوارد
من يتجاوز حضور كلٍّ من الدبلوماسى المخضرم عمرو موسى وأستاذ الحكاية السياسية الدكتور مصطفى الفقى فهو واهم، ليس لأن الرجلين يصرّان على أن يظلا فى المشهد ولا لأنهما يطاردان أضواءً الشارع، بل لأن بعض الحضور لا يرتبط بمنصب حالى.
يجلس عمرو موسى فتدخل معه الدبلوماسية إلى المكان، ويتحدث مصطفى الفقى فتستمع الذاكرة السياسية إلى تفاصيل جديدة فى كل مرة، ولهذا ليس كل خروج من المنصب يعنى خروجًا من المشهد، فبعض الناس يتركون الكرسى لكنهم لا يتركون الفكرة ولا يسلّمون أنفسهم لذلك التقاعد الداخلى الذى يختار فيه الإنسان أن يكتفى بما مضى، وهذا ما يلفت الانتباه فى موسى والفقى فهما حتى الآن لم يختارا هذا الطريق.
المسألة ليست فى المنصب فقد غادراه منذ سنوات وليست فى العمل العام بمعناه التقليدى، بل فى شيء أعمق: هل يظل الإنسان حاضرًا بعقله وفضوله وقدرته على النقاش أم يتحول مع الوقت إلى اسم يُستدعى كلما أريد الحديث عن زمن مضى؟
فى حالة موسى والفقى يبدو أن الإجابة لا تزال تميل إلى الحضور وما يزيد الأمر وضوحًا أن كلاً منهما يبدو كأنه يدفع الآخر إلى أن يظل فى حالة يقظة دائمة، يمكن لا يوجد بينهما خصومة الأن ولكن أظنها رغبة فى الاحتكاك بقدر ما هى منافسة من نوع خاص؛ منافسة تحترم قيمة الآخر وتعرف أن أمامها رجلًا لا يسمح بسهولة بالتراجع.
كل واحد منهما يعرف أن الآخر ليس من النوع الذى يمكن أن تمر أمامه الجملة بسهولة، لهذا لا يبدو حضور أى منهما على الشاشة مجرد ظهور عابر فالأمر يتجاوز التعليق السياسى أو استعادة الذكريات حين يتحدث أحدهما، يحضر معه زمن كامل من الخبرة والمعرفة والتأثر الطويل بالشأن العام. وتشعر أنك أمام عقل ما زال يعمل لا أمام سيرة قديمة تُروى مرة أخرى.
وهنا ربما تكمن المسألة الأهم
فكثيرون بعد سنوات طويلة من العمل العام يبدأون فى العيش على الرصيد القديم ويكتفون بما كان ويغلقون باب السؤال ويصبح الماضى بالنسبة إليهم بديلًا عن الحاضر. أما عند موسى والفقى فهناك انطباع مختلف وهو أن الماضى لا يُستخدم بديلًا عن الحاضر بل أداة لفهمه وهذا فرق كبير.
لأن الذاكرة فى هذه الحالة لا تزال فى الخدمة وليست فى المتحف وربما لهذا السبب تحديدًا يبدوان أصغر من سنواتهما، ليس فى الملامح بالطبع وإنما فى تلك الطاقة الذهنية التى تجعل العقل حاضرًا وسريعًا ومستعدًا للدخول فى النقاش، فالشباب الحقيقى لا يقاس بعدد السنوات بقدر ما يقاس بالاستعداد للسؤال والقدرة على الإصغاء والرد والتفكير من جديد.
هناك أشخاص يتقدم بهم العمر فيتوقفون عن المنافسة ولا يعودون معنيين بإثبات شيء أو بالدخول فى نقاش أو حتى بمعرفة ما يحدث حولهم ويكتفون بما أنجزوه، ويجدون فى الماضى ما يكفيهم.
لكن هناك آخرين لا يعرفون كيف يعيشون بهذه الطريقة.
لا لأنهم فى صراع مع الزمن أو يحاولون إثبات أنهم ما زالوا شبابًا وإنما لأن عقولهم لم تتوقف، وهذا فى النهاية هو الفارق الحقيقى.
فى موسى والفقى لا يبدو الحضور محاولة لتعويض ما فات ولا استعراضًا لسيرة طويلة وهناك نوع من المصالحة مع الخبرة؛ خبرة لا تزال ترى أن لها مكانًا فى الحديث العام وأن ما حدث بالأمس يمكن أن يساعد على فهم ما يحدث اليوم، وهذا ما يجعل وجودهما مختلفًا.
أظنه حضور لا يقبل الغياب أيضًا.
ليست القضية أن يبقى الإنسان مشهورًا بعد المنصب بل أن يبقى حيًّا فى منطقه وفهمه واستعداده للمناقشة.
والحقيقة أن موسى والفقى كلٌّ بطريقته لا يزال لديهما ما يقولانه؛ لأن الذاكرة عندهما ليست متحفًا مغلقًا بل أداة لفهم الحاضر والتجربة لم تتحول إلى وسادة للراحة بل إلى منصة للقراءة.
وبلا شك العقل فى النهاية لا يتقاعد بمجرد أن ينتهى المنصب بل يتقاعد عندما يتوقف عن السؤال، وعندما يفقد الرغبة فى أن يفهم ويقتنع بأن كل شيء قيل من قبل.
أما موسى والفقى فيبدو أن لديهما مشكلة مختلفة تمامًا.. هما لا يزالان يعتقدان أن هناك شيئًا لم يُقل بعد.. رجلان تركا المناصب خلفهما لكنهما لم يتركا العقل والذاكرة والحضور يتقاعد.
وهذا وحده قد يكون سرًا كافيًا لشباب العقل لأن العمر يزيد بالسنوات لكن الحضور تصنعه القدرة على أن تظل فى قلب اللحظة.
نقلا عن المصري اليوم





