حمدي رزق
عناية الله جندى، وسخر ربك من رجال ميناء دمياط من أنقذ مصر من كارثة محققة، تخيل سفينة أقرب إلى (قنبلة غازية) تحمل 60 ألف متر مكعب غاز، تشتعل فى سطحها النيران التى خلفتها المسيرة الغامضة. إذ فجأة (فجعة) تصدمها مسيرة، تشتعل فيها النيران، يفر طاقمها من البحارة الأجانب من على متنها هربا بحيواتهم، ويتركونها لحالها، وألسنة اللهب مشتعلة فى عاليها، دون أى محاولة تذكر لإطفائها، وهم جميعا يعلمون، بحكم الخبرة البحرية، أنها إذا انفجرت ستدمر الميناء، وكانت ترسو على أرصفته 18 سفينة أخرى.

تخيل المشهد المرعب، ولا أفلام السينما الأمريكية، عبقرية هوليوود الإخراجية تعجز عن تجسيد هذا المشهد، قنبلة بحجم سفينة طولها 277 مترا، وعرضها 43.4 متر، وغاطسها 9.6 متر، تشتعل على رصيف الميناء بحمولتها الغازية 60 ألف متر مكعب، والتى إذا انفجرت تدمر ما تقابله من أرصفة ومحطات، باتساع دائرة قطرها 15 كليومترا، تقريبا تدمر الميناء والمدينة.

«فيه أوقات بتجبرك تنسى نفسك وتفتكر وطنك»، حكمة مصرية يصعب ترجمتها على غير المصريين، حكمة قالها الربان العظيم «عبدالفتاح طه»، كبير المرشدين وقائد عملية الإنقاذ فى ميناء دمياط، بقناعة وطنية، عبر عنها بدموع الفرح لنجاح مهمة الإنقاذ المستحيلة، المصريون لا يعرفون المستحيل، ليس فى قاموسهم، رجال عاهدوا الله، صعدوا على السفينة (القنبلة) وما بين عمليات إطفاء وتبريد وقطر السفينة المعطلة ودون ملاحيها لعرض البحر لثلاثة كيلومترات، ملحمة ستتحدث عنها مراجع الإنقاذ البحرى فى سجلاتها، بحروف من نور، فعلها الأبطال، وأحبطوا مخطط تفجير الميناء بسواعدهم الجبارة.

تنحى احتراما، وتتيه فخرا، برجال صدقوا، ساعتان من الأشغال الشاقة، ساعتان فى عرض البحر، والرجال يمتطون السفينة المشتعلة، ويقفون بأقدامهم على قنبلة حارقة شديدة الانفجار، ساعتان والأنفاس تتلاحق فى الصدور، والقلوب تخفق، وتمتمة بالستر تلهج بها الألسنة، ساعات تنسى فيها نفسك، وتهوّن عليك حياتك، وتضحى بروحك، كل من كان على السفينة المشتعلة من رجال الإنقاذ كان يضحى بروحه راضيا مرضيا، نموت بس مصر تعيش.

عملية إنقاذ فدائية، الفدائى المقاتل الذى نذر نفسه للوقوف مواقف الموت، ومضحيًا بنفسه فى سبيل الله والوطن، التضحية والفداء عنوان رجال ميناء دمياط، الاستعداد التام لبذل الروح والحياة دفاعا عن أغلى اسم فى الوجود، الشجاعة والإقدام فى مواجهة الأخطار والموت دون تردد أو خوف، الإيمان بأن الله معنا وربك مع المصريين جابر.

وليس بغريب على المصريين، وليس بعجيب عظيم صنعهم، جبلوا على الشهادة والتضحية والفداء، من يملك هذا الجيش من الأشداء المخلصين، كل فى موقعه مشروع مقاتل عنيد يتمنى نصرا أو شهادة.

ملحمة إنقاذ ميناء دمياط لم تسجلها العدسات، كما لم تسجل إقدام أبطال الميناء على ركوب صهوة سفينة الموت بعد أن فر طاقمها، ولم تفت فى عضدهم تعطل ماكيناتها، قطروها وهم يبردون سطحها ويطفئون نيرانها فى عرض البحر، واحدة من الملاحم المصرية الفريدة، تذكرنا بما نسينا، تلجم الألسنة التى طالت واستطالت، فى قلوبهم مرض زادهم الله مرضا، وتكتب سطرا فى كتاب الملاحم المصرية الخالدة. مشكور وزير النقل الفريق «كامل الوزير» على صورته وسط الأبطال، وكان مرابطا فى غرفة العمليات فى الميناء حتى تمت عملية الإنقاذ، وتكريمه أبطال عملية إنقاذ الميناء، ونتمنى تكريما رئاسيا لأبطال الميناء وصورة تجمعهم برئيس الجمهورية «عبدالفتاح السيسى» الذى يعرف الفضل لأهله، وهذا من قبيل الشكر والعرفان.
نقلا عن المصري اليوم