إذا قرأتَ آدم وحواء ويونان قراءةً رمزيّة، فهل تصبح قيامة المسيح رمزًا؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
تكرّر اعتراض يقول: «إذا لم تعدّ آدم وحواء ويونان أحداثًا تاريخيّة حرفيّة، فلماذا لا تعدّ قيامة المسيح هي الأخرى رمزًا؟». المشكلة في هذا السؤال أنه يتعامل مع الكتاب المقدّس كأنه كتاب واحد كُتب كلّه بأسلوب واحد، بينما هو مكتبة نشأت خلال قرون، بلغات وكتّاب مختلفين، وتضم الشعر، والحكمة، والسرد التعليميّ، والتاريخ المصوغ لاهوتيًّا، والمثل، والرسالة، والرؤيا، والشهادة الرسوليّة.
هل تقرأ شعر المتنبّي بالأدوات نفسها التي تقرأ بها روايةً لنجيب محفوظ؟ وهل تتعامل مع دوستويفسكي أو ثربانتس أو شكسبير كما تتعامل مع محضر قضائيّ أو شهادة شاهد عيان؟ بالطبع توجد أدوات نقديّة مشتركة، لكن طبيعة النص هي التي تحدّد الأسئلة التي نطرحها عليه. اختلاف النوع الأدبيّ لا يعني أن أحد النصوص «كذب»، بل يعني أن الحقيقة لا تُعبَّر عنها دائمًا بالطريقة نفسها. ومن يقرأ كل شيء حرفيًّا لا يكون أكثر احترامًا للنص، بل قد يكون أقلّ انتباهًا إلى ما يقوله فعلًا.
وهذا ليس اختراعًا حديثًا، بل مبدأ كنسيّ واضح. فالمجمع الفاتيكانيّ الثاني يعلّم أن الحقيقة يُعبَّر عنها بصورة مختلفة في النصوص التاريخيّة والنبويّة والشعريّة وغيرها، ولذلك يجب البحث عن قصد الكاتب في ضوء النوع الأدبيّ وثقافة عصره وطرائق التعبير السائدة فيه. كما انتقدت اللجنة البابويّة الكتابيّة القراءة الأصوليّة لأنها تتجاهل الطابع التاريخيّ والبشريّ للوحي، وتتعامل مع النص كأنه أُملي حرفًا بحرف خارج اللغة والثقافة والتاريخ.
لهذا يُقرأ تكوين ١–١١ بطريقة مختلفة عن روايات الآلام والقيامة. هذه الفصول، المعروفة في الدراسات الكتابيّة باسم «التاريخ البدائي»، تتناول أصل الكون والإنسان والخطيئة والعنف والشعوب، وتقف في حوار أدبيّ ولاهوتيّ مع تقاليد الشرق الأدنى القديم. غايتها ليست تقديم سجلّ في الفيزياء أو البيولوجيا أو الأنثروبولوجيا، بل إعلان أن الله هو الخالق، وأن الخليقة حسنة، وأن الإنسان يحمل صورته، وأن الخطيئة تمزّق علاقته بالله والآخر والعالم. وقراءة آدم وحواء داخل هذا السرد الرمزيّ واللاهوتيّ لا تعني أن الله لم يخلق الإنسان أو أن الخطيئة وهم؛ فالرمز ليس نقيض الحقيقة. وعندما يقول النص إن الإنسان من تراب ونفخة من الله، فهو يعلن هشاشته وكرامته، لا يقدّم وصفًا مخبريًّا لنشأته ولا نظريةً ضد التطوّر. وينطبق مبدأ مشابه على سفر يونان، فنحن أمام قصة عن نبيّ أكثر من كوننا أمام مجموعة أقوال نبويّة، وقد ناقشت الدراسات نوعها بوصفها قصة تعليميّة أو سخرية أو محاكاة أدبيّة. وينطبق الأمر، بدرجات مختلفة، على بعض روايات يشوع والقضاة والملوك؛ فهي لا تقدّم تصويرًا محايدًا للأحداث بالمعنى الحديث، بل ذاكرة قوميّة ولاهوتيّة صيغت لتفسير علاقة بني إسرائيل بالأرض والعهد والطاعة والدينونة. وهذا لا يعني أنها خالية من التاريخ، بل يعني ضرورة التمييز بين النواة التاريخيّة، وصياغة الذاكرة، والهدف اللاهوتيّ، بدل التعامل معها كأنها تسجيل فيديو للحوادث.
لكن لماذا لا نقرأ قيامة المسيح بالطريقة نفسها؟ لا يعني هذا أننا اخترنا إنقاذ القيامة وإلقاء يونان وآدم في سلّة الرموز، بل لأن نصوص العهد الجديد نفسها تقدّم ادعاءً مختلفًا. بولس، في ١ كورنثوس ١٥، لا يكتب قصيدة خلق ولا مثلًا ولا حكاية ساخرة، بل يذكّر جماعة يعرفها بتقليد سبق أن تسلّمه وسلّمه لهم: أن المسيح مات، ودُفن، وأُقيم، وظهر لبطرس ثم للاثني عشر ولآخرين. وهذه صيغة أقدم من كتابة الرسالة نفسها، أي شهادة مبكّرة على أن الإيمان بقيامة يسوع لم يظهر لاحقًا بوصفه مجازًا، بل كان في قلب الكرازة الأولى. ثم يوضح بولس قصده صراحةً: إن لم يكن المسيح قد قام، فالكرازة باطلة والإيمان باطل. أي إنه يغلق الباب أمام تحويل القيامة إلى مجرد رمز نفسيّ للخروج من الخطيئة. والأناجيل كذلك لا تضع القيامة في فراغ أسطوريّ خارج الزمان والمكان، بل تربطها بيسوع الناصريّ، وصلبه في عهد بيلاطس، ودفنه، والقبر، والتلاميذ، وظهوراته لهم. صحيح أن الأناجيل ليست محاضر شرطة حديثة، وأنها تصوغ الذاكرة لاهوتيًّا ولكل إنجيل ترتيبه وتأكيداته، لكن قصدها الأساسي هو الشهادة بأن المصلوب صار حيًّا وأن الله دشّن فيه خلقًا جديدًا.
إذًا، المنهج ليس: «ما يقبله العلم نعدّه تاريخًا، وما لا يقبله نحوّله إلى رمز». المنهج هو: نقرأ كل نص بحسب نوعه، وزمنه، ولغته، وبنيته، والادعاء الذي يقدّمه عن نفسه. لا نقرأ تكوين ١–١١ كما نقرأ ١ كورنثوس ١٥، ولا سفر يونان كما نقرأ روايات الآلام، ولا رؤيا يوحنا كما نقرأ رسالة بولس إلى أهل غلاطية. اختلاف القراءة لا ينتج من ضعف الإيمان، بل من احترام النصوص بدل تسويتها كلها في قالب واحد.
وقبل أن تهاجم شخصًا وتتهمه بأنه «ملحد» أو «ينكر المسيح»، توقّف واسأل نفسك: ماذا قرأ هذا الشخص؟ هل قرأ دراسات أكاديميّة في اللغات القديمة، وتاريخ النصوص، والآثار، والأنواع الأدبيّة، تُدرَّس في مؤسّسات تابعة للكنائس الكاثوليكيّة واللوثريّة والروميّة الأرثوذكسيّة والسريانيّة والأرمنيّة وغيرها؟ وهل ما يقوله اختراع شخصيّ، أم جزء من علم كتابيّ كنسيّ قائم منذ أكثر من قرن؟ وقبل أن توزّع شهادات الإيمان والإلحاد، اسأل سؤالًا أصعب: ما قوّة الدراسات الكتابيّة في كنيستي وبلدي مقارنةً بمستواها داخل الكنيسة نفسها في بقية العالم؟ هل أتقن الباحثون عندنا العبريّة واليونانيّة والآراميّة؟ هل نتابع علم الآثار والنقد النصيّ وتاريخ الشرق الأدنى القديم؟ أم نعيد عظات دفاعيّة موروثة، ثم نتّهم كل من قرأ خارجها بأنه أنكر الكتاب؟
لا، قراءة آدم وحواء ويونان قراءةً رمزيّة أو تعليميّة لا تجعل قيامة المسيح رمزًا. هذا الاستنتاج لا يحمي الإيمان، بل يكشف الجهل بالأنواع الأدبيّة. فالكتاب المقدّس ليس نصًّا مسطّحًا، والحقيقة ليست مرادفًا للحرفيّة، والرمز ليس مرادفًا للكذب.
المشكلة ليست في الشاب الذي قرأ وسأل؛ المشكلة أحيانًا في الواعظ الذي لم يقرأ، لكنه يملك ثقةً كافيةً ليتّهم من قرأ بالإلحاد.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





