الحارة التي تتذكّر ولا تخلُص

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
ولعلّ السؤال الذي ينبغي أن يوجّه هذه السلسلة منذ سطورها الأولى ليس: ماذا قصد نجيب محفوظ في رواية أولاد حارتنا؟، بل: ما الذي يفعله النص؟ إنّ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين البحث عن نية المؤلف والبحث عن العالم الذي يفتحه العمل الأدبي أمام قارئه. فمن الممكن، بل من الضروري، أن نهتم بسيرة محفوظ، وبظروف كتابة الرواية، وبالجدل الذي أحاط بها، غير أنّ أيًّا من ذلك لا يستطيع أن يحل محل النص نفسه. فالرواية، بعد أن خرجت من يد مؤلفها، اكتسبت استقلالها، وصارت تمتلك منطقها الداخلي، وأصبحت قادرة على أن تقول أكثر مما كان مؤلفها واعيًا به أو قاصدًا إليه. ومن هنا لا تقوم هذه الدراسة على إعادة بناء نيات محفوظ، بل على الإصغاء إلى الحركة الداخلية للنص، وإلى الطريقة التي تتولد بها الأسئلة اللاهوتية من نسيجه السردي.

إنّ هذا الخيار المنهجي لا ينطلق من موقف نقدي حديث فحسب، بل يجد جذوره أيضًا في تاريخ التأويل المسيحي نفسه. فالآباء لم يقرأوا الكتاب المقدس بوصفه وثيقة تاريخية مغلقة، بل بوصفه نصًا حيًّا يتجاوز دائمًا قصد الكاتب البشري، ويفتح أمام الكنيسة أفقًا متجددًا للفهم. وقد عبّر أوريجانس عن هذه الفكرة حين رأى أنّ النص الإلهي يحمل دائمًا عمقًا يفوق ظاهره، وأنّ القراءة لا تقف عند الحرف، بل تنفذ منه إلى المعنى الروحي، من غير أن تلغي المعنى التاريخي أو تحل محله. ولم يكن أغسطينوس بعيدًا عن هذا التصور حين جعل غاية التفسير الدخول في الحقيقة التي يقود إليها النص، لأنّ «الحرف يظل ميتًا إذا لم يتحول إلى محبة».

ولا يعني استحضار هذا التقليد الآبائي أنّ أولاد حارتنا تُقرأ كما يُقرأ الكتاب المقدس، أو أنّ الرواية تكتسب سلطة النص المقدس، فذلك خلط لا يستقيم علميًّا ولا لاهوتيًّا. وإنما المقصود هو الإفادة من الحس التأويلي الذي طوره التقليد المسيحي، والذي ينظر إلى النصوص الكبرى بوصفها نصوصًا تتجاوز القراءة الواحدة، وتظل قادرة على إنتاج معانٍ جديدة كلما دخلت في حوار مع أسئلة تاريخية جديدة. ولهذا فإنّ الرواية، شأنها شأن الأعمال الكلاسيكية الكبرى، لا تنتهي عند معناها الأول، ولا تُستنفد في سياقها التاريخي، بل تظل قابلة لإعادة القراءة؛ لأنّها تواصل مساءلة الإنسان في كل عصر.

ومن هنا أيضًا تتحدد طبيعة الحوار الذي ستقيمه هذه السلسلة مع بول ريكور. فريكور يحضر هنا بوصفه مفكرًا يساعدنا على فهم ما يفعله النص بنفسه. لقد رأى ريكور أنّ السرد ليس مجرد شكل أدبي، بل هو أحد الأشكال الأساسية التي يبني بها الإنسان هويته ويفهم بها الزمن. فالإنسان لا يملك حياته بوصفها سلسلة من الوقائع المبعثرة، وإنما يمنحها معنى من خلال الحكاية التي يرويها عن نفسه. وإذا كانت هذه الفكرة صحيحة، فإنّ أولاد حارتنا لا تروي تاريخ الحارة فحسب، بل تبني هوية الحارة نفسها. فالناس لا يجتمعون لأنهم يعيشون في المكان ذاته، بل لأنهم يشتركون في الحكاية نفسها. إنهم جماعة لأنهم يتذكرون أصلًا واحدًا، حتى وإن اختلفوا في فهمه، أو تنازعوا في تفسيره، أو عجزوا عن الوصول إليه.

وهنا يلتقي محفوظ، على نحو مدهش، مع إحدى القضايا المحورية في الكتاب المقدس. فمن يقرأ أسفار العهد القديم يلاحظ أنّ (بني) إسرائيل لم يتحدد أولًا بوصفه جماعة عرقية أو سياسية، بل بوصفه جماعة ذاكرة. لقد صار شعبًا لأنه يروي خروجه، ويتذكر عهده، ويعيد قراءة تاريخه في ضوء حضور الله فيه. ولم يكن النسيان، في هذا السياق، مجرد ضعف في الذاكرة، بل كان سقوطًا لاهوتيًّا وأخلاقيًّا، لأنّ نسيان الأصل يؤدي إلى ضياع الهوية. ولهذا تتكرر في سفر التثنية الوصية: «احترز لئلا تنسى». إنّ التذكر ليس فعلًا نفسيًّا، بل فعل إيمان.

غير أنّ محفوظ يقلب هذه البنية من الداخل. فالحارة لا تعاني من النسيان، بل من فائض الذاكرة. الجميع يتذكرون الجبلاوي، لكنهم لا يعرفون كيف يعيشون في ضوء تلك الذاكرة. والجميع يؤمنون بالأصل، لكنهم يعجزون عن تحويل هذا الإيمان إلى تاريخ مختلف. وهنا تظهر المفارقة التي ستقود الرواية كلها: ليست المشكلة في غياب الذاكرة، وإنما في عجز الذاكرة وحدها عن خلاص الإنسان. إنّ التذكر يحفظ الرجاء، لكنه لا يزيل الظلم. ويحفظ الهوية، لكنه لا يمنع العنف. ومن ثمّ فإنّ الرواية لا تجعل الذاكرة نهاية الطريق، بل بدايته. وهذا ما يفسر أنّ كل مرحلة من مراحل الرواية تبدأ بعودة جديدة إلى الأصل. فأدهم، وجبل، ورفاعة، وقاسم، ثم عرفة، لا يظهرون في فراغ، وإنما يدخل كل واحد منهم إلى تاريخ سبق وجوده، ويحاول أن يعيد تأويل العلاقة بين الحارة والجبلاوي. إنّهم لا يؤسسون عالمًا جديدًا من الصفر، بل يواجهون ذاكرة أقدم منهم جميعًا. ولذلك فإنّ السؤال الذي يلاحقهم ليس: كيف نؤسس الحقيقة؟ بل: كيف نفهم الحقيقة التي سبق أن ورثناها؟

وهنا يبرز، في تقديرنا، وجه آخر للحوار مع المفكّر المصريّ حسن حنفي. فقد جعل حنفي التراث نقطة الانطلاق لمشروعه الفلسفي، لكنه أصر على أنّ التراث لا يعيش إلا إذا أعيد تأويله داخل الحاضر. غير أنّ محفوظ، بخلاف حنفي، لا يقدم برنامجًا لتجديد التراث، ولا يدعو إلى ثورة منهجية عليه، وإنما يصف، روائيًّا، ما يحدث حين يصبح التراث نفسه ساحة للصراع، وحين يتحول الأصل إلى موضوع للتنافس بين تأويلات متعددة. ومن هنا فإنّ الرواية لا تقدم نظرية في التأويل، بل تقدم دراما التأويل.

وتكتسب هذه الدراما بعدًا لاهوتيًّا أعمق حين ندخلها في حوار مع يورجن مولتمان عالِم اللاهوت الألمانيّ اللوثريّ. فقد رأى مولتمان أنّ الرجاء المسيحي لا يقوم على استعادة الماضي، بل على انفتاح المستقبل الذي يعد به الله، وأنّ الذاكرة وحدها لا تكفي إذا لم تتحول إلى انتظار فاعل للمجيء الجديد. وهذا ما يجعل أولاد حارتنا نصًا بالغ الأهمية؛ لأنها تضع القارئ أمام السؤال نفسه: هل يكفي أن نتذكر الجبلاوي؟ أم أنّ الذاكرة، إذا بقيت أسيرة الماضي، تتحول هي نفسها إلى شكل من أشكال العجز؟ إنّ الرواية لا تجيب عن هذا السؤال مباشرة، لكنها تجعل القارئ يعيشه في كل جيل من أجيال الحارة.

ومن هنا تتحدد المهمة التي تطمح هذه السلسلة إلى إنجازها. فهو لا يسعى إلى إثبات أنّ محفوظ كان يوافق هذا اللاهوتي أو يختلف مع ذاك، ولا إلى إخضاع الرواية لمنظومة فلسفية أو عقيدية جاهزة، وإنما إلى إدخالها في حوار حيّ مع واحد من أقدم الأسئلة التي شغلت اللاهوت المسيحي: كيف يحضر الله في التاريخ؟ وكيف يعيش الإنسان هذا الحضور حين يبدو، في خبرته اليومية، أشبه بالغياب؟ وسيكون هذا السؤال هو الخيط الذي يربط جميع حلقات السلسلة، من الجملة الأولى في الرواية إلى الجملة الأخيرة، ومن البيت الكبير إلى عرفة.

للموضوع بقيّة
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ