القمص يوحنا نصيف
    "بهذا يعرف الجميع أنّكم تلاميذي، إن كان لكم حُب بعضٌ لبعض" (يو13: 35).
    هذه هي الكلمات التي اهتمّ ربنا يسوع أن يستودعها في قلوب تلاميذه في ختام رسالته على الأرض.. حتّى تصير الكنيسة قلبًا واحدًا وروحًا واحدًا، فالمحبّة بالفِعل هي التي تحفظ الوحدانيّة في الكنيسة، مثل الأعصاب التي تربط الجسد كلّه بالرأس، وتوفّر إحساس كلّ عضو بالآخَر.. وهو ما أكّده القدّيس بولس الرسول عندما تحدّث عن أعضاء الجسد التي تهتمّ ببعضها (1كو12) ولا تستغني عن بعضها، بل تسند بعضها، وتتكامل مع بعضها.. وتعمل كلّها لخدمة وبنيان ونموّ الجسد الواحد.

    وعندما أحبّ السيد المسيح أن يؤكّد هذا كلامه عن المحبّة بمَثَلٍ عملي، نزل عند أرجل تلاميذه وأصرّ على غسلها.. ثمّ أوصاهم أن يغسل بعضهم أرجل بعض.. فهذه هي المحبّة، وهذه هي الخدمة.. وبعدها أكّد على محبته لنا إلى المنتهى بالسير في طريق الآلام والصليب حتّى الموت من أجل خلاصنا..!

    وعلى خُطى المسيح سار آباؤنا الرسل الأطهار، يغسلون الأقدام، ويسندون الضعفاء، ويقدّمون لنا أعلى درجات البذل.. حتّى أنّ واحدًا مثل القديس بولس الرسول يقول لكنيسة كورنثوس: "أنا بكلّ سرور أُنفِق وأُنفَق لأجل أنفسكم" (2كو12: 15).. بمعنى أنّه كان يصرف مادّيًّا على كنيستهم، وأيضًا يُفنِي نفسه لأجل خدمتهم، بكلّ سرور..!

    في الحقيقة، إنّ المحبّة العمليّة تستلزم الكثير من التضحية والصبر، والاحتمال والاتضاع، والاستعداد للخسارة المادّية.. وهي تحتاج بالتالي لطاقة داخليّة جبارة للقيام بكلّ هذا، وهذه الطاقّة لا تأتي إلاّ بمعونة روح الله القدّوس.

    المحبّة ليست عملاً سهلاً أو رخيصًا، فتكلفتها دائمًا عالية.. لكن في المُقابِل ثمارها جميلة وعظيمة، لا يحصدها الإنسان وحده بل أيضًا الذين حوله، مع أجيال كثيرة تأتي لتستظلّ وتتآوى في شجرة المحبّة الوارفة..

    المحبّة كالنور الذي يبدّد الظلمة ويفرّح القلب.. كالعِطر الذي يفوح برائحة المسيح الذكيّة ويجتذب الكثيرين.. كنسيم الأبديّة نتنفّسه ونحن على أرض غربتنا، فيملأنا بالسلام والبهجة والشوق لأمجاد السماء..!

    المحبّة هي أعظم وزنة أودعها المسيح في قلوبنا، "لأنّ محبّة الله قد انسكبت في قلوبنا، بالروح القدس المُعطى لنا" (رو5:5).. وقد أوصانا بنشر روح الحُبّ، والمتاجرة بهذه الوزنة الثمينة؛ التي هي مصدر الغِنى الحقيقي للكنيسة الكارزة المُشرِقة بالنور الإلهي في العالم.

    هكذا تكون الكنيسة الناجحة.. تسري المحبة في قلوب أعضائها، بالتغذية من التعاليم الروحيّة والتسابيح والتناول من الجسد الواحد، والارتواء بالروحٍ الواحد، ليصير الجميع وِحدة واحدة.. فالمحبة هي علامة القوّة والترابط والنمو في الكنيسة.. فتصير نفسًا واحدةً وقلبًا واحدًا... وبهذا يتحقّق غرض الرب واشتياق قلبه، في صلاته الوداعيّة للآب: "ليكون الجميع واحِدًا، كمّا أنّك أنت أيّها الآب فيّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا.. وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني.. وعرّفتهم اسمك، وسأعرّفهم، ليكون فيهم الحُبّ الذي أحببتني به، وأكون أنا فيهم" (يو17).

    عندئذ تكون الكنيسة بكلّ أعضائها هي بالحقيقة وجه المسيح المُشرِق على الأرض، وسِفارة السماء وسط العالم.
القمص يوحنا نصيف