الباحث الكسندر سابا
هذه السطور التي نقدمها للقارئ في ذكرى ميلاد قداسة البابا شنودة الثالث، الشخصية التاريخية المصرية التي كانت لها بصماتها في صنع أحداث نصف قرن ويزيد، في مصر الوطن والكنيسة.
هي مقدمة بحث مستفيض للباحث القبطي الأرثوذكسى أثناسيوس سرجيوس، وهو باحث يجمع بين الدراسة اللاهوتية والاجتماعية بمعهد الدراسات القبطية، وبين دراساته العليا بكلية الآداب جامعة عين شمس، في العلوم الإنسانية؛ علم النفس وعلم الاجتماع، فضلاً عن أنه عُين استاذاً مساعداً بمعهد الدراسات القبطية قبل هجرته إلى كندا.
نلحق بالمقدمة المنقوله نصاً من مبحثه عن البابا شنودة، ابرز العناوين التي شملها بحثه. وفي نهاية هذه السطور نترك رابط البحث كاملاً على شبكة المعلومات، لمن يريد الاستفاضة التحليلية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
البابا شنودة الثالث: الشخصية التي صارت مؤسسة
قراءة تاريخية ونفسية وسوسيولوجية في تكوين الكاريزما وإنتاج الشرعية الكنسية
• من نظير جيد إلى البابا شنودة
الطفولة، والهوية، وتكوين الذات
إذا صحَّ أن كل شخصية تاريخية تُولد مرتين — مرةً بالميلاد الجسدي، ومرةً بدخولها المجال العام — فإن البابا شنودة الثالث عاش ولادةً ثالثة هي ولادة الرمز. غير أن الرمز لا ينبثق من فراغ، ولا تصنعه لحظة الانتخاب وحدها، وإنما يتكوَّن في مسار طويل تتضافر فيه الخبرات المبكرة مع الثقافة والتعليم والبيئة والتجارب الوجودية. ومن ثمَّ فإن البحث في شخصية البابا شنودة لا يُستهَل من كرسي مار مرقس، ولا من سيامته أسقفًا للتعليم، ولا حتى من رهبنته في دير السريان، بل يُستهَل من الطفل نظير جيد روفائيل، الذي لم يكن يدري أن حياته الخاصة ستغدو يومًا جزءًا من الذاكرة الجامعة لكنيسة بأسرها.
الطفولة المبكرة: الغياب بوصفه خبرةً مؤسِّسة
٨
وُلد نظير جيد في الثالث من أغسطس سنة ١٩٢٣، في حقبة كانت مصر فيها تجتاز مخاض الدولة الحديثة غداةَ ثورة سنة ١٩١٩، وكانت الكنيسة القبطية بدورها تعيش نهضة تعليمية وروحية قادتها حركة مدارس الأحد، تلك الحركة التي ستصير فيما بعد التربةَ التي نما فيها وشارك في قيادتها. غير أن الحدث الأعمق أثرًا في طفولته لم يكن سياسيًا ولا كنسيًا، بل كان حدثًا شخصيًا خالصًا: فقد فقد والدته وهو بعدُ طفلٌ صغير. وليس من الاستقامة المنهجية أن يُختزل مصير إنسان في حادثة واحدة، كما أنه ليس من الدقة أن يُجحَد أثر الخبرات المبكرة بذريعة التحرز من التفسير النفسي؛ فالخبرات الأولى لا ترسم المصير رسمًا، لكنها تُسهم في تشكيل الكيفية التي يواجه بها الإنسان العالم.
وتذهب دراسات التعلق عند جون بولبي (John Bowlby) إلى أن فقدان أحد الوالدين في السنوات الأولى لا يفضي بالضرورة إلى اضطراب نفسي، لكنه قد يترك أثرًا بعيد المدى في بناء أنماط الارتباط، وفي الالتماس الدائم لمصادر بديلة للأمان والاستقرار. ولا يسوغ تنزيل هذه النماذج على حالة تاريخية تنزيلًا تشخيصيًا، غير أنها تمدُّنا بإطار يعين على إدراك أهمية العلاقات التعويضية في تكوين الشخصية. ومن اللافت أن مسيرة نظير جيد اتجهت منذ باكورتها نحو التماس الانتماء في جماعات ذات طابع روحي وتعليمي، حيث تصير الجماعة معينًا للهوية، ويغدو النظام والالتزام لَبِنةً في بناء الذات. وليس معنى ذلك أن الرهبنة كانت تعويضًا نفسيًا عن فقد الأم — فمثل هذا الاستنتاج لا يسنده دليل تاريخي — وإنما المقصود أن التجارب المبكرة كثيرًا ما تزيد استعداد الإنسان للبحث عن أطر تهبه المعنى والاستقرار. وههنا يجب التفريق بين السبب والتهيئة: فالطفولة لا تفسر كل شيء، لكنها تمهِّد بعض المسالك التي تتفاعل لاحقًا مع الاختيار الحر والظرف التاريخي.
القراءة قبل القيادة
من السمات التي أجمع عليها معاصرو البابا شنودة شغفُه المبكر بالقراءة. ولم يكن هذا الشغف ترفًا ثقافيًا، بل غدا فيما بعد مفتاحًا من أهم مفاتيح شخصيته؛ فالقراءة لم تمنحه المعارف فحسب، بل وهبته لغةً يفكر بها، وذخيرةً من الصور والأمثال والشواهد، وقدرةً على الانتقال بين الأدب والتاريخ والكتاب المقدس والشعر في نسيج خطابي واحد. وقد نشأ في بيئة مصرية كانت تشهد اتساعًا ملحوظًا في حركة النشر والصحافة والمنتديات الأدبية؛ إذ كان الأدب العربي الحديث يعيش ذروة حضوره مع أعلام من طراز أحمد شوقي وحافظ إبراهيم والعقاد وطه حسين، وكانت الصحافة قد صارت من أمضى أدوات تشكيل الرأي العام. ومن الطبيعي أن يتشرَّب شابٌّ موهوب لغويًا هذا المناخ ويتمثَّله.
ولذلك لم يكن الشعر في حياة البابا شنودة هوايةً عابرة، بل كان رياضةً على الاقتصاد في العبارة، وعلى الإيقاع، وعلى انتقاء الصورة — وهي عناصر ستتجلى لاحقًا في عظاته وكتاباته. وقد ظل أثر هذا التكوين الأدبي بيِّنًا حتى في مصنفاته اللاهوتية؛ إذ قلما تخلو صفحة من استعارة، أو مقابلة بلاغية، أو تركيب لغوي محكم. ومن هنا نفهم لماذا لم يكن خطابه خطابَ أستاذ جامعي يشرح المصطلحات، ولا خطابَ سياسي يستنهض الجماهير، بل خطابًا يأتلف فيه وضوح المعلم، وصورة الشاعر، وإيقاع الواعظ.
مدارس الأحد: المدرسة التي صاغت الجيل
يعسر أن يبالغ المرء في تقدير أثر حركة مدارس الأحد في تكوين البابا شنودة. فقد كانت هذه الحركة، منذ أسسها الأرشيدياكون حبيب جرجس، أكبرَ من مشروع تعليمي؛ كانت مشروعًا لإعادة بناء الهوية القبطية في مجتمع سريع التحول. لقد نقلت مدارس الأحد التعليم من إطار التلقين الموروث إلى نظام تربوي منضبط، قوامه إعداد الخدام، ووضع المناهج، ووصل المعرفة الدينية بالحياة اليومية. وفي هذا المناخ وجد نظير جيد الميدان الذي التقت فيه ميوله الفكرية بطاقته التنظيمية وموهبته التعليمية.
ومن هنا أخذ يتبلور لديه اقتناع سيلازمه مدى حياته: أن إصلاح الكنيسة يبدأ من إصلاح التعليم. ولم يكن هذا رأيًا عارضًا، بل صار فيما بعد مبدأً من المبادئ الحاكمة لمشروعه الكنسي كله. وذلك ما يفسر أن أول رتبة أسقفية أُسندت إليه لم تكن رئاسة دير، ولا رعاية إيبارشية، بل أسقفية التعليم؛ فلم تكن هذه الأسقفية انقطاعًا عن ماضيه، بل امتدادًا طبيعيًا لمسار ابتدأ منذ شبابه.
الهوية قبل المنصب
تذهب نظرية إريك إريكسون (Erik H. Erikson) إلى أن مرحلة الشباب المبكر تتمحور حول تكوين الهوية؛ أي الإجابة عن السؤال: «من أنا؟». وهذه الهوية لا تتكوَّن دفعةً واحدة، بل عبر سلسلة من الخبرات والاختيارات والانتماءات. وفي حالة البابا شنودة يبدو أن الهوية الفكرية والدينية سبقت الهوية المؤسسية: فقد عرف نفسه معلمًا وكاتبًا وخادمًا قبل أن يعرف نفسه أسقفًا أو بطريركًا. ولهذا ظلت الكتابة والتعليم قوامَ شخصيته حتى بعد أن صار مسؤولًا عن أكبر كنيسة في الشرق الأوسط.
وتفسر هذه الملاحظة ظاهرةً لافتة؛ إذ لم ينقطع عن التأليف بعد جلوسه على الكرسي المرقسي، ولم تتحول الإدارة إلى بديل عن التعليم، بل بقيت العظة الأسبوعية، والكتب، والإجابة عن الأسئلة، جزءًا من ممارسة القيادة ذاتها. لقد كانت هويته الأولى هوية المعلم؛ أما البطريركية فجاءت لتضيف إليها بُعدًا جديدًا، لا لتنسخها.
اللغة بوصفها بيتَ الهوية
من القادة من يصنع نفوذه بالقوة التنظيمية، ومنهم من يصنعه بالتحالفات، ومنهم من يصنعه بالموقع الرسمي. أما البابا شنودة فقد صنع القسط الأوفر من سلطانه باللغة. فاللغة لم تكن عنده أداة تواصل فحسب، بل كانت الميدان الذي تتشكل فيه العلاقة بينه وبين جمهوره. وقد أدرك مبكرًا أن الكلمة ليست ناقلًا محايدًا للفكرة، بل هي التي تهب الفكرة صورتها، وتجعلها قابلة للحفظ والتداول والاستدعاء. ولذلك لم يكن غريبًا أن تستحيل عباراته أمثالًا سائرة، وأن تُحفظ عظاته أكثر مما تُقرأ قراراته الإدارية؛ فالجماعات لا تتذكر اللوائح، وإنما تتذكر الكلمات التي تمنح هويتها معنى.
وههنا يتجلى الفرق بين السلطة القانونية والسلطة الرمزية: فالأولى تُمارَس بالنصوص والاختصاصات، والثانية تُمارَس باللغة والرموز والذاكرة. وقد جمع البابا شنودة السلطتين معًا، غير أن الثانية كانت أعمق رسوخًا في الوجدان الشعبي.
لم يولد البابا شنودة قائدًا، كما لم تصنعه البطريركية وحدها. فقد تشكلت شخصيته عبر تفاعل مديد بين فقدٍ مبكر، وشغفٍ بالقراءة، وتكوينٍ أدبي، وخبرةٍ تربوية، وحركةٍ كنسية إصلاحية، قبل أن تلتئم هذه العناصر جميعًا في الرهبنة ثم في الخدمة العامة. ولذلك فإن فهم المراحل اللاحقة من حياته يقتضي إدراك أن الرجل الذي جلس على كرسي مار مرقس لم يخلِّف وراءه الشاعر، ولا المعلم، ولا الخادم، بل حملهم جميعًا معه إلى الكرسي. ومن هنا غدت القيادة عنده امتدادًا للتعليم، وغدت الكلمة، قبل القرار، الأداةَ الأولى في ممارسة السلطة.
محطات مفصلية في مسيرة البابا شنودة
ـ من مدارس الأحد إلى الرهبنة (الراهب انطونيوس السرياني)
ـ من الرهبنة إلى الأسقفية (الأنبا شنودة اسقف التعليم)
ـ من الأسقفية إلى موقع البابا البطريرك (البابا شنودة الثالث)
ـ تجليات المرحلة البابوية
• العلاقة مع الدولة من الوفاق إلى الصدام
• خريطة الرفاق ؛ تحالفات واخفاقات.
• التواصل الشعبي؛ مجلة الكرازة واجتماع الأربعاء.
• تحديات صعود التيارات المتطرفة ومسئولية الرعاية والحماية.
• الكلمة قبل السلطة.
• من التعليم إلى تشكيل الوجدان
• الحضور والكاريزما.
• جدلية التعليم الرعوي والبحث الأكاديمي.
• إشكاليات ما بعد النياحة (الرحيل).





