قراءة قانونية في الحكم الأخير للمحكمة الدستورية العليا
هاني صبري
الخبير القانوني والمحامي بالنقض
يُعد الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية العليا برفض الدعوى المحالة طعنًا بعدم دستورية نصي المادتين (384) و(395/1، 2) من قانون الإجراءات الجنائية، المستبدلتين بالقانون رقم (11) لسنة 2017، من الأحكام الدستورية ذات الأثر البالغ في تطوير الفقه الدستوري الإجرائي، لما تضمنه من حسم لإحدى أهم المسائل التي أثارت جدلًا فقهيًا وعمليًا منذ تعديل نظام المحاكمة الغيابية في مواد الجنايات، وهي مدى دستورية جواز حضور وكيل خاص عن المتهم أو المحكوم عليه في غيبته أمام محكمة الجنايات، واعتبار الحكم الصادر في هذه الحالة حكمًا حضوريًا.
ولا تكمن أهمية هذا الحكم في مجرد الفصل في نزاع دستوري، وإنما في كونه رسم الإطار الدستوري الذي يحكم العلاقة بين سلطة المشرع في تنظيم إجراءات التقاضي، وبين الضمانات الجوهرية للمحاكمة المنصفة، بما يرسخ فلسفة دستورية متوازنة قوامها أن تطوير التشريع الإجرائي لا يتعارض مع حماية الحقوق والحريات متى ظل منضبطًا بأحكام الدستور.
ومن وجهة نظري، فإن هذا الحكم جاء متسقًا مع أحكام الدستور المصري، ومتوافقًا مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، كما يمثل خطوة تشريعية وقضائية مهمة نحو تحقيق العدالة الناجزة دون المساس بحقوق الدفاع أو قرينة البراءة.
أولًا: سلطة المشرع في تنظيم إجراءات التقاضي ليست سلطة مطلقة وإنما سلطة دستورية
استقر قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن تنظيم إجراءات التقاضي يدخل في نطاق السلطة التقديرية للمشرع، باعتباره المختص بوضع القواعد الإجرائية التي تكفل حسن سير العدالة، شريطة ألا يؤدي هذا التنظيم إلى الانتقاص من جوهر الحقوق أو إهدار الضمانات الدستورية.
وهذا المبدأ يجد سنده المباشر في الدستور الذي منح المشرع سلطة تنظيم الحقوق والحريات، دون أن يجيز له المساس بأصلها أو تعطيل جوهرها.
ومن ثم فإن استبدال نظام المحاكمة الغيابية التقليدي بنظام يسمح بحضور وكيل خاص عن المتهم لا يمثل افتئاتًا على حق الدفاع، وإنما يعد تطويرًا لوسائل مباشرة هذا الحق، بما يحقق المصلحة العامة في سرعة الفصل في القضايا الجنائية دون الإخلال بالضمانات الأساسية للمحاكمة المنصفة.
ثانيًا: حضور الوكيل الخاص امتداد دستوري لحق الدفاع وليس بديلاً عن المتهم
من أبرز ما رسخه الحكم أن حق الدفاع لا ينحصر في الحضور الشخصي للمتهم، وإنما يمتد كذلك إلى الدفاع بواسطة وكيل أو محام يختاره بإرادته.
وهذا الفهم يتفق مع الطبيعة القانونية لحق الدفاع بوصفه حقًا أصيلًا يجوز مباشرته شخصيًا أو عن طريق من ينوب عن صاحبه، طالما كانت هذه النيابة صادرة عن إرادة صحيحة.
فحضور الوكيل الخاص لا يلغي حق المتهم في الحضور بنفسه متى شاء، ولا يمنعه من إبداء دفاعه الشخصي، وإنما يضمن استمرار المواجهة القضائية وعدم تعطيل سير الدعوى بسبب الغياب الإرادي.
ومن ثم فإن الوكيل الخاص لا يحل محل المتهم في تحمل المسؤولية الجنائية، وإنما يمارس حقوق الدفاع الإجرائية نيابة عنه، وهو ما ينسجم مع المبادئ العامة للإجراءات الجنائية.
ثالثًا: اعتبار الحكم حضورياً لا يمس أصل البراءة
أثار اعتبار الحكم الصادر مع حضور الوكيل الخاص حكمًا حضوريًا نقاشًا واسعًا، إلا أن المحكمة الدستورية حسمت هذا الجدل بإرساء قاعدة مهمة مؤداها أن وصف الحكم بأنه حضوري هو وصف إجرائي يترتب عليه تنظيم طرق الطعن ومواعيدها، ولا ينشئ قرينة على الإدانة، ولا ينتقص من أصل البراءة.
فقرينة البراءة تظل قائمة طوال مراحل الدعوى، ولا تزول إلا بحكم نهائي بات يصدر بعد محاكمة استوفت جميع ضماناتها.
ومن ثم فإن الطبيعة الحضورية للحكم لا تمس مضمون الحق في الدفاع، وإنما تنظم المركز الإجرائي للخصوم، وهو أمر يدخل في نطاق السلطة التشريعية للمشرع.
رابعًا: العدالة الناجزة أصبحت مبدأً دستورياً لا يتعارض مع المحاكمة العادلة
من أهم ما يميز هذا الحكم أنه أعاد التأكيد على أن العدالة المتأخرة قد تتحول في كثير من الأحيان إلى صورة من صور إنكار العدالة.
فالنظام السابق للأحكام الغيابية في الجنايات كان يؤدي عمليًا إلى إعادة المحاكمة كاملة بمجرد القبض على المحكوم عليه أو مثوله، وهو ما كان يترتب عليه إهدار سنوات طويلة من إجراءات التقاضي، وإعادة سماع الشهود، واستنزاف موارد العدالة.
ومن هنا جاء تدخل المشرع ليحقق توازنًا بين مصلحة المجتمع في سرعة الفصل في الدعوى، وبين حقوق الدفاع، من خلال السماح بتمثيل المتهم بواسطة وكيل خاص مع استمرار جميع الضمانات القضائية.
وهذا الاتجاه يتفق مع التطور الحديث لفلسفة العدالة الجنائية التي أصبحت تقوم على تحقيق الكفاءة الإجرائية دون التضحية بالحقوق الأساسية.
خامسًا: استقلال محكمة الجنايات في إدارة الدعوى ظل مصونًا
أكد الحكم كذلك أن حضور الوكيل الخاص لا يقيد سلطة المحكمة في إدارة الدعوى الجنائية.
فلا تزال المحكمة تملك كامل سلطاتها في مباشرة التحقيق النهائي، وسماع الشهود، وتقدير الأدلة، والأمر بضبط المتهم وإحضاره أو حبسه احتياطيًا متى توافرت مبررات ذلك وفقًا للقانون.
ومن ثم فإن الوكالة الخاصة لا تنشئ حصانة للمتهم، ولا تحول دون مباشرة المحكمة لجميع اختصاصاتها، وإنما تحقق فقط استمرار المحاكمة في إطار من المواجهة القضائية المشروعة.
سادسًا: اختلاف التنظيم بين الجنايات والجنح يقوم على أساس موضوعي
من المبادئ المهمة التي أكدها الحكم أن المساواة لا تعني توحيد القواعد القانونية بالنسبة لجميع المراكز القانونية المختلفة.
فالجنايات تختلف بطبيعتها وخطورتها وآثارها القانونية عن الجنح، ومن ثم فإن اختلاف الإجراءات المنظمة لكل منهما يقوم على أساس موضوعي تبرره طبيعة كل نظام.
وهذا التطبيق يجسد المفهوم الدستوري الصحيح للمساواة، والذي يقوم على معاملة المراكز القانونية المتماثلة معاملة واحدة، والسماح بالتمييز المشروع متى استند إلى سبب موضوعي مرتبط بطبيعة التنظيم القانوني.
سابعًا: المحاكمة ليست أداة للعقاب وإنما وسيلة لتحقيق العدالة
من أعمق المبادئ التي أبرزها الحكم التمييز بين وظيفة المحاكمة ووظيفة العقوبة.
فالردع العام والردع الخاص لا يتحققان من خلال إجراءات المحاكمة، وإنما من خلال العقوبة التي توقع بعد ثبوت الإدانة.
أما إجراءات المحاكمة ذاتها، فهي وسيلة لكشف الحقيقة، وضمان حقوق الخصوم، وتحقيق المساواة أمام القضاء.
ولهذا فإن جميع الإجراءات يجب أن تبقى محكومة بضمانات المحاكمة المنصفة، بعيدًا عن أي اعتبارات عقابية سابقة على ثبوت المسؤولية الجنائية.
ثامنًا: الحكم في ضوء الدستور والمواثيق الدولية
يتميز هذا الحكم بأنه لم يكتف بالاتساق مع النصوص الدستورية، وإنما جاء منسجمًا كذلك مع المبادئ المستقرة في القانون الدولي لحقوق الإنسان.
فالمادة (14) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تقرر حق كل متهم في محاكمة عادلة، وتمكينه من الدفاع عن نفسه بشخصه أو بواسطة محام يختاره.
كما أن المادة (6) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان كرست المبدأ ذاته، وأقرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في العديد من أحكامها أن الحضور بواسطة محام يمثل ضمانة كافية متى كان المتهم قد أُتيح له اختيار من يمثله، ولم يُحرم من فرص الدفاع الفعالة.
ومن ثم فإن التشريع المصري، كما أيدته المحكمة الدستورية العليا، لا يخرج عن الاتجاه المقارن، بل ينسجم مع التطور الحديث في الأنظمة الإجرائية التي تسعى إلى تحقيق التوازن بين كفاءة العدالة وضمانات المحاكمة المنصفة.
تاسعًا: القيمة الدستورية للحكم وآثاره المستقبلية
لا يقتصر أثر هذا الحكم على تأكيد دستورية النصين المطعون عليهما، وإنما يمتد ليضع ضوابط دستورية عامة تحكم أي تطوير مستقبلي لقانون الإجراءات الجنائية.
فقد أكدت المحكمة أن معيار الرقابة الدستورية ليس الجمود التشريعي، وإنما مدى احترام التنظيم الجديد للضمانات الجوهرية للمحاكمة العادلة.
وهذا المبدأ يفتح المجال أمام المشرع لمواصلة تحديث التشريعات الإجرائية، وإدخال الوسائل الحديثة في التقاضي، وتطوير آليات إدارة الدعوى الجنائية، شريطة بقاء الحقوق الدستورية مصونة، وعلى رأسها حق الدفاع، وحق المواجهة، وقرينة البراءة، واستقلال القضاء.
في تقديري، يمثل هذا الحكم أحد الأحكام الدستورية الرائدة في مجال العدالة الجنائية؛ إذ نجح في تحقيق معادلة دقيقة بين صون الحقوق الدستورية للأفراد، وتمكين الدولة من تطوير منظومة العدالة بما يواكب متطلبات العصر.
وقد أكدت المحكمة الدستورية العليا أن العدالة الناجزة ليست نقيضًا للعدالة المنصفة، وإنما شريك لها، وأن حماية الحقوق والحريات لا تعني تجميد التشريعات الإجرائية أو تعطيل تطويرها، بل تقتضي أن يتم هذا التطوير في إطار من الشرعية الدستورية واحترام الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.
ومن ثم، فإن الحكم يرسخ مبدأ بالغ الأهمية مؤداه أن المشروعية الدستورية هي المعيار الحاكم لكل تنظيم إجرائي، وأن تحديث قانون الإجراءات الجنائية يظل مشروعًا بل مطلوبًا متى كان محققًا للمصلحة العامة، ومتوازنًا مع حقوق الدفاع، ومتسقًا مع الدستور والالتزامات الدولية لجمهورية مصر العربية.
وبذلك، لا يمثل هذا القضاء مجرد إقرار بدستورية نصين قانونيين، وإنما يعد تأسيسًا لرؤية دستورية متكاملة تؤكد أن العدالة الفاعلة والعدالة المنصفة ليستا طريقين متعارضين، بل غايتين متلازمتين لا تستقيم إحداهما إلا بالأخرى.





