هل يعاقب الله البشر بالزلازل والكوارث؟
(تنويه: كلامي مناقشة داخل المسيحية فقط، وليس موجهًا لأيّ دين آخر)
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
لما حضرتك تكون مسيحي وتفسّر الزلزال بأنه حصل بسبب غضب ربنا، وفي نفس ذات عين الوقت تقول: «الله محبة»، فأنت بتعمل لناس كتير Error في الدماغ. لأنهم ببساطة هيسألوا: هو إزاي الله محبة، وفي الوقت نفسه يدفن أطفالًا وأبرياء تحت الأنقاض عشان يعاقب مدينة كاملة؟ وهل الصفائح التكتونية
بتتحرك حسب مستوى الأخلاق في المنطقة؟ العقلية الغيبية القديمة كانت بتنسب كل كارثة أو ظاهرة مخيفة إلى قوة خارقة: زلزال، وباء، خسوف، هزيمة، مجاعة. لكن البشرية اليوم تعرف كيف تقع الزلازل: حركة صفائح، صدوع، ضغط، وطاقة تتحرر. والعقل البشري غير الاتكالي لا يقف أمام الكارثة ليشرحها بخطايا الضحايا، بل يستخدم العلم والهندسة لحمايتهم، ولنا في اليابان مثال واضح: بدل ما يفتشوا في ذنوب السكان، يطوّروا المباني وأنظمة الإنذار وخطط الإخلاء.
أما اقتطاع نصوص من العهد القديم لإثبات أن الله يعاقب البشر بالزلازل والأوبئة، ففيه مغالطة أكبر: أنك تركن العهد الجديد جانبًا، وتركُن يسوع المسيح، كلمة الله وكمال الوحي، كأننا ما زلنا نقرأ النصوص قبل مجيئه. صحيح أن العهد القديم يقدّم الطوفان بوصفه دينونة على فساد البشر (تك 6: 5–7؛ 7: 17–23
)، ويروي نزول النار على سدوم وعمورة (تك 19: 24–25)، وابتلاع الأرض لقورح وجماعته (عد 16: 28–33)، ويربط أحيانًا الجفاف والجراد والوباء بخطيئة الشعب: «فإن أغلقتُ السماء فانحبس المطر، وإن أمرتُ الجراد أن يأكل الأرض، وإن أرسلتُ وبأً في شعبي… فإذا تواضع شعبي… وغفروا خطاياهم… فأسمع أنا من السماء وأغفر خطيتهم وأبرئ أرضهم» (2 أخ 7: 13–14)، كما يفسّر الهزيمة والسبي أحيانًا داخل منطق العهد والدينونة (تث 28
: 15–68؛ 2 مل 17: 7–23). لكن العهد القديم ليس تقريرًا معمليًا عن أسباب الزلازل والأوبئة، بل نصوص دينية تستخدم أساليب أدبية ولاهوتية لتجيب عن أسئلة عصرها: لماذا انهزم الشعب؟ لماذا حدث السبي؟ هل الكارثة عقاب؟ هل يتألم البار؟ بل إن هذه الإشكالية نفسها تتطور داخل العهد القديم. في البداية يبدو التصور بسيطًا: البار ينجح والشرير يتألم. ثم يأتي سفر أيوب، في قصة تعليمية ولاهوتية مصوغة بأدب عبري بالغ القوة، ليهدم هذه المعادلة ويقول: نعم، قد يتألم البار أيضًا، ولا يملك أصدقاؤه الذين يفسرون ألمه بخطاياه إلا لاهوتًا قاسيًا وكلامًا كثيرًا خاطئًا؛ ولذلك يقول الرب لهم في النهاية: «لم تقولوا فيَّ الصواب كعبدي أيوب» (أي 42: 7).
والكنيسة لا تقرأ العهد القديم بمعزل عن المسيح، لأننا مسيحيون، ويسوع هو مفتاح فهم الكتب كلها: «ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسّر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب» (لو 24: 27). وحين طلب يعقوب ويوحنا أن تنزل نار من السماء على السامريين، لم يبارك يسوع حماسهما الديني، بل
انتهرهما (لو 9: 51–56). وحين سقط برج سلوام على ثمانية عشر إنسانًا، رفض أن يعتبرهم أكثر خطيئة من غيرهم: «أتظنون أن هؤلاء كانوا مذنبين أكثر من جميع الناس الساكنين في أورشليم؟ كلا أقول لكم» (لو 13: 4–5). وحين سأله التلاميذ عن المولود أعمى: «من أخطأ، هذا أم أبواه؟» أجاب: «لا هذا أخطأ ولا أبواه» (يو 9: 2–3). وعلى الصليب لم يستدعِ نارًا على صالبيه، بل قال: «يا أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون» (لو 23: 34).
وأما قوله لمريض بيت حسدا بعد شفائه: «ها أنت قد برئت، فلا تخطئ أيضًا، لئلا يكون لك أشر» (يو 5: 14)، فلا يؤسس قاعدة طبية تقول إن كل مرض ناتج عن خطيئة شخصية؛ وإلا ناقضنا كلامه الصريح عن المولود أعمى. كما أن قوله للمفلوج: «مغفورة لك خطاياك» قبل شفائه (مر 2: 5–12؛ مت 9:
2–7؛ لو 5: 20–25) يكشف سلطان المسيح على الإنسان كله، جسدًا وروحًا، ولا يقدّم تشخيصًا طبيًا يقول إن الشلل سببه بالضرورة خطايا المريض. نعم، العهد القديم يربط أحيانًا الطوفان والجفاف والوباء والهزيمة بالخطيئة، لكنه يفعل ذلك بلغة لاهوتية في طور التكوّن، لا ليعطينا قانونًا جيولوجيًا أبديًا. وكمال الوحي ليس في الزلزال، بل في يسوع المسيح: «الله، بعدما كلّم الآباء بالأنبياء قديمًا بأنواع وطرق كثيرة، كلّمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه» (عب 1: 1–2).
الزلزال تفسّره الجيولوجيا. والإيمان يطلب منك أن تنقذ الضحايا، وتفتح بيتك، وتتضامن، وتتوب أنت، لا أن تقف فوق الأنقاض وتشرح للمدفونين لماذا غضب الله منهم. لأن المشكلة ليست فقط أن هذا الكلام غير علمي، المشكلة أنه أيضًا، ببساطة شديدة، غير مسيحي.





