بقلم - نادر شكري
أعادت مأساة المركب التي وقعت قبالة سواحل مدينة طبرق الليبية فتح واحد من أكثر الملفات إيلامًا، بعدما أعلنت منظمة "العابرين" الليبية لمساعدة المهاجرين عن نجاة 15 مصريًا، ظلوا عالقين في عرض البحر تسعة أيام كاملة بعد تعطل مركبهم، بينما انتهت الرحلة بوفاة آخرين وفقدان عدد من الشباب الذين ابتلعتهم الأمواج.
ومن بين الضحايا الفتى يوسف هني أشعياء بخيت جرجس، الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، إضافة إلى عبدالرحمن مجدي عبدالعزيز عليوة من محافظة الشرقية، فيما لا تزال عمليات البحث مستمرة عن آخرين أُلقيت جثامينهم في البحر بعد وفاتهم خلال الرحلة، ومن بينهم مفقودون لا يزال ذووهم يعيشون بين الأمل واليأس.
هذه ليست مجرد حادثة غرق جديدة، بل مأساة إنسانية تكشف حجم اليأس الذي وصل إليه بعض الشباب، حتى أصبح الموت في البحر احتمالًا يقبلون به، أملاً في حياة أفضل.
السؤال الحقيقي ليس كيف غرقت المركب، وإنما لماذا ركب هؤلاء الشباب البحر أصلًا؟ لماذا يقرر فتى لم يبلغ الثامنة عشرة أن يترك أسرته، ويستقل مركبًا متهالكًا يعلم جيدًا أنه قد يتحول إلى قبر في أي لحظة؟
الإجابة ليست بسيطة، لكنها تبدأ من واقع يعيشه آلاف الشباب. فغلاء المعيشة، وارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وصعوبة الحصول على فرصة عمل مستقرة، جعلت كثيرين يشعرون بأن المستقبل أصبح مغلقًا في وجوههم. بعض الأسر بالكاد تستطيع توفير احتياجاتها الأساسية، وأصبح حلم تكوين أسرة أو امتلاك منزل أو حتى الحصول على دخل يكفي للعيش الكريم يبدو بعيد المنال.
وعندما يشعر الشاب أن سنوات عمره تمضي بلا أمل، يصبح مستعدًا للمغامرة بكل شيء. فيقتنع بأن ركوب البحر، رغم مخاطره، قد يكون فرصته الأخيرة لتغيير حياته. إنها معادلة قاسية؛ بين موت محتمل في البحر، وحياة يراها بلا مستقبل على البر.
لكن المأساة لا تنتهي عند الضحايا. فهناك أمهات ينتظرن أبناءهن كل يوم، وآباء باعوا ما يملكون لتوفير تكلفة الرحلة على أمل أن تتحسن أحوال أسرهم، فإذا بهم يتلقون خبر وفاة، أو يظلون ينتظرون سنوات دون أن يعرفوا مصير أبنائهم. وما أصعب أن يعيش الإنسان لا يملك قبرًا يزور فيه ابنه، ولا يقينًا بأنه ما زال على قيد الحياة.
لقد تحول البحر المتوسط، خلال السنوات الماضية، إلى مقبرة مفتوحة لآلاف الشباب من مختلف الجنسيات، ومن بينهم مصريون دفعوا حياتهم ثمنًا لحلم لم يكتمل. ومع كل حادث جديد، تتكرر المشاهد نفسها؛ دموع، وصور مفقودين، ونداءات استغاثة، ثم يعود كل شيء إلى ما كان عليه، بينما تستمر قوارب الموت في الإبحار.
ولا شك أن الهجرة غير الشرعية ليست حلًا، بل طريق محفوف بالمخاطر تستغله شبكات تهريب البشر التي تتاجر بأحلام الشباب، دون أدنى اهتمام بمصيرهم. لكن الاكتفاء بالتحذير من هذه الرحلات أو بملاحقة المهربين لن يكون كافيًا إذا بقيت الأسباب التي تدفع الشباب إليها قائمة.
إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب رؤية أوسع، تبدأ بتوفير فرص عمل حقيقية، ودعم المشروعات الصغيرة، وتحسين مستوى المعيشة، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وإعطاء الشباب أملًا واقعيًا في المستقبل. فكل فرصة عمل تُخلق، وكل شاب يشعر بأن له مكانًا في وطنه، هي قارب نجاة يمنعه من التفكير في ركوب قوارب الموت.
رحلة طبرق يجب ألا تمر كخبر عابر، بل ينبغي أن تكون جرس إنذار جديدًا. فكل شاب نفقده في البحر هو خسارة لوطنه قبل أن يكون خسارة لأسرته، وكل أم تنتظر ابنًا لن يعود هي حكاية ألم لا يجوز أن تتكرر.
رحم الله الضحايا، وأعاد المفقودين إلى ذويهم إن كانوا على قيد الحياة، وحفظ شباب مصر من أن يصبح البحر هو الطريق الوحيد للبحث عن حياة كريمة.





