أدهم (١): العطيّة والإنسان القابل للخطأ

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
انتهت الحلقتان السابقتان إلى أنّ "أولاد حارتنا" تبني رؤيتها من خلال العلاقة بين الأصل والتاريخ. فالبيت الكبير يسبق سكان الحارة، والوقف يسبق صراعهم عليه، وذاكرة الجد تمنحهم المعيار الذي يقيسون به الجوع والظلم. ومع ظهور أدهم ينتقل هذا السؤال من مستوى الجماعة إلى مستوى الشخص: ماذا يحدث حين تدخل العطيّة مجال الحرّيّة؟ وكيف يتحول الإنسان، وهو ابن البيت، إلى غريب يقف خارجه؟

يظهر أدهم منذ البداية داخل عالم لم يصنعه. البيت قائمٌ قبله، والجبلاوي يسبقه، والحديقة تحيط به، والوقف يضمن استمرار العطيّة خلال الزمن. إنّه إنسان تلقّى وجوده ومكانته وانتماءه، ثمّ صار مسؤولًا عن الطريقة التي سيعيش بها ما تلقّاه. ولهذا يبدأ محفوظ قصّته باختيار أدهم لإدارة الوقف. فالجبلاوي يفضّله لأنه «على دراية بطباع المستأجرين»، ويعرف أكثرهم، ويجيد «الكتابة والحساب». لا يقوم الاختيار على الأسبقية في الميلاد، أو القوة الجسدية، أو نقاء النسب الاجتماعي، وإنما على المعرفة والكفاءة والقدرة على خدمة الجماعة. ومن هنا يظهر الصراع الأول في الرواية بوصفه صراعًا حول معنى الاستحقاق. يرى إدريس أنّ كونه الابن الأكبر يمنحه الحق الطبيعي في الإدارة، في حين يمنح الجبلاوي المسؤولية لمن يستطيع القيام بها. ويكشف احتجاج إدريس عن بنية اجتماعية كاملة حين يهتف في وجه أدهم: «أما هذا فابن جارية سوداء!». فالمشكلة، في نظره، ليست ضعف أدهم، وإنما إمكان أن يتقدم ابن الجارية على أبناء «هانم من خيرة النساء». وهكذا تدخل العنصرية والطبقية والنسب إلى قصة الخلق نفسها، ويصبح سؤال الإنسان منذ اللحظة الأولى سؤالًا عن الكرامة: هل تتحدد قيمة المرء بأصله الاجتماعي ولون بشرته، أم بقدرته على حمل الأمانة؟

لا يواجه أدهم الإهانة بعنف مماثل. يشحب وجهه ويظل صامتًا، ثم يعمل في الوقف «بهمة»، ويتخذ «من الأمانة شعارًا»، ويسجل «كل مليم في الدفتر لأول مرة في تاريخ الوقف». ويكشف محفوظ من خلاله صورة للإنسان المستقيم الذي يفهم السلطة بوصفها خدمة وتدبيرًا. فالوقف ليس ملكه، والأموال ليست امتيازًا شخصيًّا، والمنصب لا يخرجه من دائرة المحاسبة. وحين يسأله الجبلاوي عن العمل يجيب: «ما دمتَ قد عهدتَ به إليَّ فهو أعظم ما في حياتي». وتنبع قيمة العمل من الثقة التي أُعطيت له. تقترب هذه الرؤية من المنطق الكتابي للخلق. فالإنسان في سفر التكوين يتلقى العالم قبل أن يعمل فيه، ويُعهد إليه بالبستان قبل أن تظهر الوصية والامتحان. إنّ وجوده نفسه أمانة. وقد رأى القدّيس إيريناوس (المولود ١٣٥م) أنّ الإنسان خُلق في بداية مسيرة، يحمل صورة الله ويتجه نحو تمامها من خلال الحرّيّة والنمو.¹ فالحرّيّة لا تعمل في فراغ؛ إنها استجابة لعطيّة سبقتها، وقدرة على تحويل ما تلقّاه الإنسان إلى حياة ناضجة. ويتيح الفيلسوف الفرنسيّ بول ريكور تعميق هذا التصور من خلال التمييز بين الحرّيّة المتجسدة والوهم الذي يتصورها قدرةً مطلقة على تأسيس الذات. فالإنسان، عنده، لا يختبر إرادته خارج الجسد والطبع والتاريخ والعلاقات؛ إنّه يريد من داخل شروط لم يخترها. وتتحقق الحرّيّة حين يقبل الإنسان هذا «اللاإرادي» الذي يحمله وجوده ويحوّله إلى مجال للفعل، بينما يتحول رفض كل ما يسبقه إلى رغبة في السيادة المطلقة على الذات والعالم. ومن هذه الزاوية يمكن فهم أدهم بوصفه إنسانًا لم يختر نسبه أو لونه أو موقعه في البيت، لكنه دُعي إلى جعل هذا المعطى تاريخًا شخصيًّا من الأمانة والعمل والحب.²

غير أنّ شخصية أدهم لا يمكن حصرها في الإدارة والأمانة. فهو عاشق للحديقة والناي والطيور والماء والسماء. وحين يجلس تحت الأشجار يشعر أنّ «الحديقة، وسكانها المغردون، والماء، والسماء، ونفسي النشوى، هذه هي الحياة الحقة». تكشف هذه الكلمات بعدًا عميقًا في تجربته. إنّه يعيش الخليقة كعالم من الانسجام، ويشعر بأنّ الموجودات تحمل معنى يكاد يُسمع من دون أن يُقال. فالناي «يكاد يجيب»، والعصفورة لو تكلمت بلغته «لشفت قلبه باليقين». هنا لا تبدو الحديقة مجرد مقابل روائي لجنة عدن؛ إنها خبرة الإنسان أمام عالم جميل يشعر بأنّه يخفي كلمة لم يستطع بعد أن يفهمها. ويمكن وصف الحديقة، في لغة ريكور، بأنها جزء من «عالم النص» الذي تفتحه الرواية أمام قارئها. فالعمل الأدبي لا يكتفي بوصف واقع سابق عليه؛ إنه يقترح طريقةً للسكن في العالم، ويكشف إمكانات للوجود لم تكن ظاهرة قبل القراءة.³ والحديقة تفتح أمام أدهم إمكانًا للعيش يقوم على الإصغاء والامتنان والانسجام. إنه لا ينظر إلى الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال وحده؛ فالعصافير والماء والسماء والناي تشترك معه في عالم يشعر داخله بأنّ الحياة تحمل معنى يفوق وظائفها المباشرة. وتكمن المفارقة في أنّ الإنسان الذي أحسن الإصغاء إلى الحديقة سيعجز لاحقًا عن الإصغاء إلى الحد الذي يحفظ علاقته بالأب.

ويكتسب لقاؤه بأميمة معناه داخل هذا الانسجام. فظلها يبدو «مفروشًا في ظله كأنه جزء من جسده»، ويشعر أن الورد والياسمين والعصافير واليمام ونفسه قد صارت «نغمة واحدة». إنّ الحب، في هذه اللحظة، امتداد لجمال الخليقة وشركة داخلها. وأميمة تشبهه في لونها وموقعها الاجتماعي؛ فهي قريبة لجارية، كما كانت أمه جارية قبل أن يتزوجها الجبلاوي. وهكذا يحمل اختياره لها رفضًا ضمنيًّا لمنطق إدريس القائم على اللون والنسب. وحين يوافق الجبلاوي على الزواج يقول لأدهم: «باختيار أميمة تكرم أمك». إنّ العلاقة الجديدة تستعيد كرامة الأصل المحتقر، وتفتح أفقًا للخصب والحياة. وتبلغ حياة أدهم في البيت لحظة من الامتلاء. فهو يحمد «صاحب المنن» على رضا أبيه، وحب زوجته، والمنزلة التي نالها، والحديقة والناي. ولا يستخدم محفوظ هذه السعادة تمهيدًا ميكانيكيًّا للسقوط؛ إنه يصر على إظهار الخير السابق للخطيئة. وهذه نقطة لاهوتية أساسية. فالإنسان لا يُعرَّف أولًا بفشله، والخطيئة لا تمتلك الكلمة الأولى في قصته. قبل العصيان توجد العطيّة، وقبل الخروج يوجد البيت، وقبل الغربة يوجد الانتماء. وقد رفض إيريناوس أن يبدأ فهم الإنسان من السقوط، لأنّ الحقيقة المؤسسة تظل خلقه على صورة الله ودعوته إلى الحياة.⁴

يتقاطع ذلك مع تحليل ريكور لـ«الإنسان القابل للخطأ»؛ إذ يرفض أن يجعل الهشاشة الإنسانية شرًّا في ذاتها. فالإنسان يحمل تفاوتًا داخليًّا بين محدوديته وانفتاحه على ما يتجاوزها، وبين منظوره الجزئي ورغبته في الكل، وبين ما هو عليه وما يستطيع أن يصير إليه. ويسمي ريكور هذه البنية قابليةً للخطأ، أي الموضع الذي يمكن أن يقع فيه الشر من غير أن يكون الشر ضروريًّا أو أصيلًا في طبيعة الإنسان.⁵ وعلى هذا الأساس لا تمثل حساسية أدهم ورقته وحاجته إلى الحب عيوبًا تقوده حتمًا إلى السقوط؛ إنها إمكانات إنسانية أصيلة يمكن أن تصير رحمةً وأمانة، كما يمكن أن يستولي عليها الخوف والقلق والرغبة في ضمان المستقبل.

للموضوع بقيّة

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ