(الديموجرافيا السياسية للبنان 1-10)

أكرم ألفي 
في إحصاء 1932 لسكان لبنان وهو أخر تعداد سكاني شامل في تاريح الدولة اللبنانية كان يبلغ عدد السكان 785 ألف نسمة وبمتوالية نمو شبيهة بمتوالية نمو مصر فإن عدد اللبنانيين في لبنان كان سيصبح 6 ملايين نسمة في 2026.. ولكن؟

وفقا للخبير الديموغرافي اللبناني شوقي عطية فإن عدد اللبنانيين في لبنان اليوم لا يتجاوز 3.8 مليون لبناني فقط. هذا الرقم بالطبع ليس رسمياً، فلبنان رسمياً توقف عن "عد" الطوائف منذ 1943 لأسباب طائفية واضحة بسبب المخاوف من تحول الإحصاء إلى أداة لتغيير التوازنات السياسية الطائفية وبتعبير أدق منع البيانات السكانية من تهديد امتيازات زعماء طوائف بعينها. 

لبنان فعلياً لا ينمو سكانياً منذ 40 عاماً تقريباً!!، حيث كان تقدير عدد اللبنانيين وفقا لكمال ديب نحو 3.5 مليون نسمة في 1984 بل أن الحروب والهجرة دفعت إلى انخفاض العدد في 1996 إلى نحو 3.2 مليون نسمة!! فلماذا؟ 

1- لبنان "بطل عد" وشبابها لم يوقف "هجرة"
اللبناني يولد لكي يهاجر فلبنان بحسب العديد من الكتاب اللبنانيين ليس وطناً بل معبر للخروج.. بل أحد الكتاب يقول إن هدف السياسيون أحيانا يبدو إفراغ لبنان من أهله!. فعدد اللبنانيين الذين يحملون الجنسية وخارج لبنان يزيد عن مليون لبناني ولكن العدد الإجمالي قد يصل إلى 9 ملايين لبناني خارج لبنان!
منذ أيام الأمير فخر الدين المعني الثاني والصراع بين البشيرين (الشهابي والجنبلاطي) مروراً بالقائمقامتين والمتصرفية وصولاً للانتداب وإعلان لبنان الكبرى كانت الهجرة هي سمة مميزة للبنانيين من الهجرة إلى أميركا واميركا الجنوبية وأوروبا وصولاً للهجرات إلى أفريقيا. (للأصدقاء غير اللبنانيين اعتبر الجملة لغز يمكن حله بسهوله عبر جوجل او شات جي بي تي وهي قصص تاريخ لبنان المليئ بالتفاصيل) 

كانت هناك هجرة واسعة من الشباب اللبناني بدأت خلال الحرب الأهلية (1975-1990) ووصل الأمر ذروته في 1990 خلال الحرب (المارونية – المارونية) بين ميشال عون وسمير جعجع (حرب الإلغاء) والتي قادت إلى هجرة أكثر من 100 ألف لبناني في عام واحد أغلبهم من الموارنة إلى كندا وأميركا واستراليا. وفي التسعينيات، ارتفعت معدلات الهجرة إلى بلدان الخليج العربي بين الشباب السني، فيما كانت أفريقيا هي احد أهم وجهات الهجرة للشباب الشيعي.

معدلات الهجرة في لبنان تعد من ألأعلي في العالم، حيث رصدت تقديرات أولية خروج نحو 75 ألف لبناني في 2025 ووصل وفقا لتقديرات عدد الذين هاجروا خلال الفترة من 2012 إلى 2025 بنحو 800 ألف لبناني أي خروج نحو 20% من السكان خلال 13 عاماً!

لا أعرف كيف يكون هذا الوضع فقد توقفت عند الأرقام ولم أجد تفسيراً فهل تم عد من كانوا في لبنان من سوريين وفلسطينيين ام تم عد اللبنانين فقط .. وهنا الأزمة المستمرة في البيانات في دولة كانت منبراً لعلم الإحصاء لا يوجد بها رقم فقد أوقفت الطائفية البغيضة "العد" فاصبحنا نعرف أرقام دولة آسيوية صغيرة بينما لا نعرف أرقام لبنان من أجل عيون أمراء الطوائف. 

2- تراجع الخصوبة للجميع 
قبل 20 عاماً، كان الموارنة والأرثوذكس والكاثوليك والدروز يشكون من تراجع الخصوبة دون 1.8 طفل لكل سيدة بين هذه الطوائف مقابل ارتفاع معدلات الخصوبة بين الشيعة في الجنوب والبقاع والسنة في صيدا وطرابلس وبيروت.. 

اليوم "الجميع في الهم سوا".. حيث تكشف البيانات المتاحة إلى تراجع معدل الخصوبة للبنانيين دون معدل الاحلال (2.1 طفل لكل سيدة) ووصل إلى 1.6 طفل لكل سيدة والاقل خصوبة هم الروم الارثوذكس والروم الكاثوليك ثم الموارنة والدروز ولكن انهيار الخصوبة وصل اليوم إلى السنة والشيعة.
في 2025 بلغ عدد المواليد اللبنانيين 70 ألف طفل فقط ووفاة نحو 32 ألف ليسجل لبنان زيادة طبيعية بلغت نحو 38 ألف نسمة ولكن مع هجرة 75 ألف فإن لبنان شهد في 2025 انكماشاً سكانياً بسالب 37 ألفاً.

3- ضحايا الحروب الأهلية 
أحد عوامل تراجع النمو السكاني للبنان الحروب الأهلية منذ اعلان الاستقلال بدءا بحرب 1958 والحرب الأهلية 1975 -1990.. فقد كان ضحايا الحروب الأهلية أحد أسباب الانخفاض في عدد اللبنانيين حيث راح ضحيتها نحو 150 ألف لبناني أغلبهم من الشباب إلى جانب الحروب الإسرائيلية على لبنان والتي راح ضحيتها أكثر من 30 ألف لبناني.

انتهى اسهل قسم ولنبدأ غداً مع ديموجرافيا الطوائف وقصص لبنان الجميلة الحزينة عن حركة سكان الطوائف منذ أيام الأمير فخر الدين المعني الثاني مروراً بنزول الفلاحين الموارنة إلى الشوف وجنوب الجبل وثورة طانيوس شاهين وإنشاء المتصرفية وصولاً إلى إنشاء لبنان الكبير بضم بيروت وطرابلس وصيدا وصور والبقاع إلى جبل لبنان..