القمص يوحنا نصيف
يستكمل القدّيس كيرلّس الكبير تعليقه عن ما حدث في بستان جسثيماني (لو22: 39-46)؛ ويشرح الصورة بعمقٍ كبير، فيقول:
+ إنّ المسيح مخلّص الجميع كان مع تلاميذه القدّيسين على جبل الزيتون، بينما كانت الحيّة متعدّدة الرؤوس – أي الشيطان- يُعِدّ للمسيح فخّ الموت. كان رؤساء مجمع اليهود والتلميذ الذي خانه، لم يتركوا وسيلةً لم يلجأوا إليها ليُمسِكوا بشخصه؛ وقد جمعوا أولئك الذين سيقبضون عليه، وهُم زُمرة من جنود بيلاطس، وجمْعٌ من خُدّام اليهود الأشرار.
+ بينما كانت المحاولة على وَشَك أن تتمّ، كان هو في حُزنٍ، وكان يحثّ تلاميذه أن يتصرّفوا بما يناسب هذا الظرف (العصيب) بقوله لهم: "اسهروا وصلّوا لئلّا تدخلوا في تجربة". وحتّى لا يكون تعليمه بالكلام فقط، صار هو نفسه مثالًا لِما ينبغي أن يفعلوه هم، فقد انفصل عنهم قليلًا نحو رميَة حَجَر، وجثا على ركبتيه وصلّى قائلًا: "يا أبتاه، إن شِئتَ أن تجيز عنّي هذه الكأس".
+ قد يتساءل أحدٌ الآن: لماذا لم يُصَلِّ مع التلاميذ القدّيسين، ولكن انفصل عنهم وصلّى بمفرده؟
كان هذا لكي يعلّمنا نمط هذا النوع من الصلاة التي تُسِرّ الله؛ فحينما نصلّي ليس من الصواب أن نستعرض أنفسنا على مرأى من الآخَرين، ولا أن نسعى أن ينظرنا كثيرون، لئلَّا نُغَرِّق أنفسنا في وَحْل محاولة استرضاء الناس، فنجعل كلّ تعب صلواتنا بلا أيّة منفعة.. لذلك فنحن نجده في كلّ موضع يُصَلِّي على انفراد، حتّى تتعلَّم أنت أيضًا أنّه يجب علينا أن نتحادَث مع الله بذهن هادئ وقلب ساكن خالٍ من كلّ قلق.
+ أيّ إنسانٍ ذي فهمٍ لن يقول إنّ الربّ قدَّم هذه التوسُّلات كأنّه في احتياجٍ إلى قوّة أو عونٍ من آخَر، لأنّه هو نفسه قوّة واقتدار الآب الكلّي القدرة، ولكنّه تَصَرَّفَ هكذا لكي نتعلّم نحن منه أن نتخلَّى عن كلّ إهمال، عندما تُداهمنا التجربة وتضغط علينا الاضطهادات، ويحتال علينا الغادرون، ويحيكون حولنا فخاخهم، ويُعِدُّون لنا شبكة الموت. هذه هي نفس وسيلة خلاصنا أن نسهر ونجثو على ركبنا، ونقدِّم تضرّعات متواصِلة، ونسأل المعونة التي تأتي من فوق، لئلّا نضعف، فنُعاني من تحطُّم مُرعِب لسفينة حياتنا.
+ إنّ الشجاعة الروحيّة تليق حقًّا بالقدّيسين، ولكن أولئك الذين يُقاومون عنف التجارب يجب أن يكون لهم ذِهن راسخ لا يتراجع، لأنّه من الجهل التامّ أن نثق ثقة زائدة في أنفسنا أثناء الصراعات، والذي يفكِّر هكذا هو مُصاب بالتفاخُر والتباهي. لذلك ينبغي -وأنا أكرّر- أن نُقرِن الشجاعة والصبر بتواضع الفكر، وإن تعرَّضنا لأيّة تجربة فإنّ ذهننا يكون مستعدًّا بثباتٍ لمقاومتها، ومع ذلك فلنسأل الله أن يعطينا القدرة على الاحتمال بشجاعة، لأنّنا أُمِرنا أن نقول في صلواتنا: "لا تُدخِلنا في تجربة، لكن نجِّنا من الشرّير".
+ لاحِظوا إذن النموذج المُقَدَّم لكم في شخص المسيح مخلِّصنا كلّنا لكي تسلكوا مثله، وهيّا بنا نلاحظ طريقة صلاته. إنّه يقول: "إن شِئتَ أن تُجِيز عنّي هذه الكأس". أتنظرون كيف أنّ المسيح يجعل صلاته في مواجهة التجربة، بتوقير يناسِب الإنسان؟ فهو يقول: "إن شِئتَ أن تُجِيز".. فهو كواحدٍ مِنّا، يُسَلِّم لإرادة أبيه أن يُجرِي كلّ ما هو مُزمِعٌ أن يَحدُّث. لذلك فإذا حَدَثَ لنا في أيّ وقت وتعرّضنا لصعوبات غير متوقَّعة، وكان لازِمًا لنا أن نحتمِل أيّ صراعٍ فكريّ، فلنتوسَّل إلى الله لا أن ينتهي (الصراع) بحسب مشيئتنا، بل بالحريّ فلنطلب أن يَفعَل ما يَعرِف هو أنّه مناسبٌ ولازِم لمنفعة نفوسِنا. "لأنّنا لا نعرف ما نصلِّي لأجله كما ينبغي" (رو8: 26)، بل هو مستودَع جميع الخيرات، وهو يُعطي كلّ ما هو مناسب لأولئك الذين يحبّونه.
+ الله يُشفِق على سُكّان الأرض البائسين، الممسوكين في فخاخ الخطيّة، والقابلين للموت والفساد، والخاضعين تحت يد طاغية، والمأسورين من سِربٍ من الشياطين. لقد ارسل الله ابنه من السماء ليكون مُخَلِّصًا ومُنقِذًا، وهو الذي صار أيضًأ مثلنا في الشكل. ولكن مع أنّه عَرف مُسبَقًا ما سوف يتألّم به، وأنّ عار آلامه ليس هو ثمر إرادته الخاصّة، إلّا أنّه قَبِلَ أن يتحمّلها لكي يخلّص (سُكّان) الأرض.
+ "هكذا أحبّ الله العالم، حتّى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كلّ من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبديّة" (يو3: 16). لذلك فبخصوص العار (الذي لاقاه) بسبب آلامه، فإنّه لم يكُن يريد أن يتألّم، ولكن إذ لم يكُن من المُمكِن له ألّا يتألّم بسبب قسوة اليهود وعدم طاعتهم وعنفهم غير المُلَجَّم، فإنّه احتمل الصليب مستهينًا بالخزي (عب12: 2)، وأطاع حتّى الموت، موت الصليب (في2: 8)، لكنّه يقول: "إنّ الله رفّعه وأعطاه اسمًا فوق كلّ اسم، لكي تجثو باسم يسوع المسيح كلّ ركبةٍ؛ مِمَّن في السماء، ومِمَّن على الأرض، ومِمَّن تحت الأرض، ويعترف كلّ لسان أنّ يسوع المسيح هو الربّ لمجد الله الآب. آمين.
[عن تفسير إنجيل لوقا للقدّيس كيرلّس السكندري (عظة 147) - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور نصحي عبد الشهيد]
القمص يوحنا نصيف





