(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
ثانيًا: عرضٌ وَجيز لبضعة مؤلَّفاتٍ للأنبا كيرلس الثاني مقار (2)
أواصل تقديمَ لمحاتٍ عن فكر مثلّث الرحمات غبطة البطريرك الأنبا كيرلس الثاني مقار (1867-1921)، أوّل بطريرك للكنيسة القبطيّة الكاثوليكيّة في العصر الحديث. وهو الفكر الذي تركه لنا في مؤلَّفاته الثرية، المكتوبة باللغات العربيّة والفرنسيّة واللاتينيّة. 
 
1. «ألوهيّةُ الرجل الإسرائيليّ المصلوب» [2]
لقد نَشرتُ، في حلقةٍ سابقة، العرضَ الأوّل لمؤلَّفه المعنون: «ألوهيّةُ الرجل الإسرائيليّ المصلوب». وهذا هو العرضُ الثاني والأخير لهذا المؤلَّف المهمّ، الذي رَدَّ فيه عن هذا السؤال دائم التكرار: «كيف النصارى يقولون بألوهيّة رجلٍ إسرائيليّ قُضى عليه بالموت صلبًا؟». ينقسم الردُّ، الذي قَدّمه الأنبا كيرلس الثاني مقار عن السؤال المطروح أعلاه، إلى نقاطٍ ثلاث: 1. الشهادة التي أدّاها الله قبل مجيء المسيح؛ 2. الشهادة التي أدّاها في مدّة حياته على الأرض؛ 3. الشهادة التي أدّاها له بعد موته.
 
+ 1) "الشهادةُ التي أدّاها [الله] قبل مجيئه"
يتعلّق الأمر جوهريًّا بـ"النبواءت المختصّة بالمسيح"، الواردة في العهد القديم: زمن مجيئه (تك 49: 10)؛ والأرض التي يأتي بها (ميخا 5: 2)؛ ومَن تكون أُمّه وكيف يُولَد (أشعياء 7: 14)؛ ومِن أيّ أصلٍ هو (ميخا 5: 2)؛ وماذا يُدعَى اسمه (أشعياء 7: 14؛ 9: 6)؛ وظروف إظهار رسالته (أشعياء 35: 3-6)؛ وظروف موته وتاريخ وقوع هذا الموت (دانيال 9: 23-27؛ أشعياء 53: 5)؛ وألوهيّته (مز 2: 6-7؛ دانيال 9: 23-27).
 
وبناءً عليه، «هذا وَحْيٌ إلهيّ نَقّبه علماءُ الكفر، ليجدوا بابًا على إنكاره أو على القول بعدم قدميّة أسفاره أو بتزييفها أو بتحريفها. ولكن خابت آمالهم، فالنبوءاتُ المختصّة بالمسيح هي جزءٌ جوهرىّ من أسفار العهد القديم».
 
+ 2) "الشهادةُ التي أدّاها [الله] في مدّة حياته على الأرض"
وفقًا للأناجيل المقدَّسة، تشهد أعمالُ المسيح الحسنة والعجائبيّة (معجزاته وآياته)، وكذلك أقوالُه عن نفسه (يو 10: 25؛ 10: 37-38؛ 11: 25-27؛ 11: 41-43)، طوال مدّة حياته على الأرض، عن قوّته الإلهيّة. وبفضل هذا كلّه، يمكن للناس أن يروا "ألوهيّته، ويؤمنوا أنّه إلهٌ وابنُ الإله". ومن جهةٍ أخرى، قد شَهد الله ذاته –بشكلٍ صريح– على ألوهيّة المسيح؛ وهذا بدوره "شهادةٌ علويّة": أوّلًا، عند اعتماده في مياه الأردن (مر 1: 11؛ لو 3: 21؛ متّى 2: 17)؛ ثمّ، عند تجليه على جبل تابور (متّى 17: 5؛ مر 9: 6؛ لو 9: 15). 
 
أمّا إذا أنكر أحدُهم "صحّةَ النصوص الإنجيليّة"، فتوجد "البراهين المفحمة، ومن جملتها البراهين التاريخيّة التي لا يمكن إنكارها": استشهاد الرسل وتضحيّتهم بحياتهم، وهم الشهود على حقيقةِ ألوهيّة هذا الرجل الإسرائيليّ المصلوب. ولا يمكن الاعتراضُ على هذا البرهان التاريخيّ، بالقول بأنّه: "كم رأينا أناسًا ضحّوا حياتهم من أجل اعتقادات غير صوابيّة!"؛ لأنّه لا يوجد في هذه الحالة التي نحن بصددها «مبدأٌ علميّ أو عقيدةٌ فلسفيّة يناضلون عن صحّتها، ولكنّها حوادث مادّيّة وقعت تحت الحواس، أي أنّها رُؤيتْ بأعيُن وسُمعتْ بالأذن ولُمستْ باليد». 
 
+ 3) "الشهادةُ التي أدّاها [الله] له بعد موته"
لقد قاوم الشعبُ الإسرائيليّ (اليهود)، في بلاد الختان، انتشارَ المسيحيّة التي نادتْ "بمُلكٍ روحيّ ومملكةٍ روحيّة وإنقاذِ شعب الله إنقاذًا روحيًّا وإخضاعِ الشعوب إخضاعًا روحيًّا للمسيح الإله"، وكذلك بـ"إبطالِ الناموس الموسويّ وإقامةِ ناموس العهد الجديد مقامه". وهذا لأنّ الشعبَ اليهوديّ "كان يتصوّر المسيحَ بهيئةٍ غير التي بشّرته بها هذه الديانة الجديدة"؛ ولأنّه كان "شديد التمسُّك بالناموس الموسويّ لاعتقاده أنّ هذا الناموس لا يمكن أن تزعزعه الأيّام ولفخره به فخرًا وطنيًّا إذ به كان اليهود يمتازون عن الأمم ويعلون عليهم". ومع ذلك، فقد «شهد الله لهذا الرجل الإسرائيليّ عن ألوهيّته بعد مماته، إذ خَتمَ بإصبعه الإلهيّة على الديانة التي أسّسها؛ وهي ديانةٌ بُنيتْ على القول بألوهيّة هذا الرجل اليهوديّ. ولم تصادف عند التبشير بها إلّا المقاومة والمحاربة في جميع البلاد التي دخلتها يهوديّةً كانت أم وثنيّة». 
 
وعلى نحوٍ آخر، قد اضطهد الرومانُ الوثنيّون (الأمم)، في بلاد الغُرلة (عدم الختان)، أَتْباعَ المسيحيّة؛ فهي دينٌ يعلّم "ألوهيّة الرجل الإسرائيليّ المصلوب". كما أنّه «يكرز إلغاء المبادئ القديمة، والتعويض عنها بعبادة إلهٍ واحد؛ ويعلّم فلسفةً جديدة أساسها ألوهيّة رجلٍ يهوديّ مصلوب؛ ويقول باتّباع عوائد طاهرة وباحتقار المنظورات وبالتعلُّق بالخيرات الأبديّة غير المنظورة». وهذا لأنّه لم يكن بإمكان الرومان الوثنيّين التوفيق بين هذا الدين الجديد من جهةٍ، وبين "عبادة الأوثان أو بالأحرى عبادة الشهوات المشخَّصة بالأوثان وفلسفة اليونانيّين والرومانيّين الممثِّلة للكبرياء وفساد الأخلاق العموميّ الهائل، الذي كان منغمسًا فيه الشعب الوثنيّ وجذوعه متأصّلة فيه" من جهةٍ أخرى.
 
وبناءً عليه، إن كانت المسيحيّةُ قد انتشرت انتشارًا واسعًا، ولا سيّما في الأعوام الأولى من القرن الأوّل الميلاديّ، فليس هذا بفضل "الوسائط البشريّة" لدى رُسلها، و"لا غنى ولا بأس ولا سلاح ولا سحرِ فصاحةٍ ولا قوةِ فلسفةٍ"، وإنّما بفضل "العلّة الإلهيّة" وحدها. «وبعبارةٍ أوضح، إنّ الله تعالى بالذات قد استعمل سلطانه لتأييد دیانة تُدعَى باسم رجلٍ يهوديّ مصلوب، هو يسوع المسيح ابنه الحىّ». 
 
وأخيرًا، هذه هي الخلاصة التي قَدّمها الأنبا كيرلس الثاني مقار في مؤلَّفه، الذي حاولتُ عرضه بإيجازٍ على مدار حلقتَيْن: «إنّ القول بألوهيّة هذا الرجل [يسوع المسيح]، لا نستند فيه إلى شهادة إنسانٍ أو إلى قوةٍ بشريّة، بل إلى شهادة الله وقوّته».