في عظة عيد التجلي وختام لقاء الشباب الفرانسيسكاني، الحبر الأعظم يدعو إلى التخلي عن ثقافة القوة والانطلاق نحو الأطراف لبناء "حضارة المحبة".
 
محرر الأقباط متحدون
ترأس قداسة البابا لاوُن الرابع عشر صباح اليوم الخميس القداس الإلهي في أسيزي، ختاماً لـ "لقاء الشباب الفرانسيسكاني ٢٠٢٦"، وذلك بالتزامن مع عيد تجلي الرب. وفي عظته الموجهة إلى آلاف الشباب القادمين من مختلف القارات، استلهم الأب الأقدس روحانية القديسين فرنسيس وكلارا داعياً إياهم لكي لا يكونوا متفرجين سلبيين في وجه ظلمات العالم، بل "أنبياء للتناغم" وصانعي سلام يلتزمون ببناء "حضارة المحبة".
 
قال البابا لاوُن الرابع عشر أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، إن عيد التجلي، الذي نحتفل به، هو سرُّ نورٍ يساعدنا على تعميق لقائنا، المليء بالفرح والمفعم في الوقت عينه بالتساؤلات حول الحاضر والمستقبل. نجد في الرواية الإنجيلية التناقض بين النور والظلمة، والصمت والكلمات، والذهول وسوء الفهم. نحن في أسيزي، وهي مدينة يصعد إليها منذ قرون عديدة الكثير من الحجاج – ونحن اليوم معهم أيضاً – لأن كل شيء هنا يهمس بأن حياتنا يمكنها أن تتخذ شكلاً جديداً، وتطلق العنان للنور، وتُصلح العالم. هنا بدأت تجليّات القديس فرنسيس والقديسة كلارا ثم تجليات آلاف الشباب الآخرين: لقد قبلوا الإنجيل بدون مواربة – نقول بلغة اليوم: بلا تنازلات – فبدأت حياة يسوع من جديد في داخلهم.
 
تابع الأب الأقدس يقول لقد وصلنا إلى هنا لكي نفهم إلى أين يتجه التاريخ وإلى أين نتجه نحن أنفسنا. نرى في الإنجيل أنه يمكننا أن نجد معنى، ويمكننا أن نرى دربًا في الأفق. تماماً مثل بطرس ويعقوب ويوحنا، أخذنا يسوع على حدة وهو معنا. هذا هو ما يهم: حضوره. على الجبل تأمل الرسل يسوع وهو يوجه خطواته نحو مستقبله. وفيما يتعلق بهذه النقطة، كان قد ساد بينهم سوء فهم. فقبل ستة أيام، كان بطرس قد اعترض على المعلم عندما تحدث بصراحة عن الصليب: كان يتوقع المجد للمسيح، وربما لنفسه أيضاً، دون أن يأخذ في الحسبان المقاومات والمخاطر، والأهم من ذلك، دون أن يتساءل عما يعنيه المجد حقاً.
 
أضاف الحبر الأعظم يقول والآن، في تجلي يسوع، الله هو الذي يكشف ذاته في مجده، والذي يبدو على هيئة سحابة تحمي وتغمر. وهو يشير إلى الابن ويدعونا لكي نسمع له. إن طريق الحياة يُكتشف باتباعه معاً. ولجماله مظهر جديد وكثافة لا مثيل لها، لدرجة أن بطرس أراد أن يوقف الزمن ويطيل أمد تلك الرؤية. وبسخاء، عرض أن ينصب ثلاث خيَم، كأنه يرغب في أن يرى استمرار الحديث بين يسوع وموسى وإيليا. ولكن، علينا أن ندخل في ثنايا ذلك الحوار بدلاً من الاكتفاء بأن نبقى مجرد مشاهدين. فنحن في الواقع مدعوون لقراءة الأسفار المقدسة مع المعلم، وتفسير زمننا، واتخاذ القرارات باتباع دربه. نحن هنا لكي نتغلب على الاستسلام والخوف، ولكي نذيب الشكوك التي تعيقنا نحن أيضاً، تماماً كما كانت تعيق الرسل. إن يسوع يدعونا للحوار مع تاريخه، لكي نكتب صفحات جديدة من التاريخ.
 
تابع الأب الأقدس يقول وفيما نسمع أن "وجهه أَشَعَّ كالشَّمس، وثِيابُه تَلألأَت كالنُّور"، نفكر في صباح القيامة، عندما دحرج ملاك الرب الحجر الذي كان يغلق القبر وحمل بشرى القيامة. "وكان منظره كالبرق ولباسه أبيض كالثلج". إنه نور يوم جديد نتجه نحوه، بينما لا يزال الظلام يلفنا، وأحياناً في داخلنا. ونحن نرى فجر هذا النور في القديسين المرفوعين إلى المجد، مثل القديس فرنسيس والقديسة كلارا، وفي عدد لا يحصى من الإخوة والأخوات الذين يجيبون على الشر بالخير.
 
أضاف الحبر الأعظم يقول نحن لسنا وحدنا! لقد اختبرتم هذا الأمر في هذه الأيام: لقد التقيتم وأصغيتم لبعضكم البعض، وانتقلتم من ضجيج الأصوات المتعالية والمتناقضة إلى فن الحوار. نحن نتأمل اليوم يسوع وهو يتجلى بالذات من خلال حواره مع الآب، ومع الذين سبقوه مثل موسى وإيليا، ومع معاصريه من التلاميذ. إنّ الكنيسة، موجودة لكي تدخلنا في ديناميكية الاصغاء واتخاذ القرار هذه، التي نفهم من خلالها لأجل من نحيا وكيف نحيا. إنها الجماعة التي نتعلم فيها تمييز صوت الله، الذي لا يتطابق أبداً وببساطة مع آرائنا الخاصة، وأن نتحلى بشجاعة الطاعة للروح القدس التي جعلت كل الذين قبلوا اتباع يسوع شجعاناً ومبدعين: فنحن نتشوه بالانفصال عنه وعن الآخرين؛ بينما نتجلى في الروابط التي تغذي الحياة وتدعو إليها. إن الروحانية الفرنسيسكانية، التي تربيتم فيها، هي من أكثر الروحانيات اهتماماً بإصلاح العلاقات الأساسية مع الله ومع جميع خلائقه: تناغم يجب الحفاظ عليه والعناية به اليوم أكثر من أي وقت مضى.
 
تابع الأب الأقدس يقول وفي هذا السياق، اقترحتُ في مستهل رسالتي العامة الأولى أن "يتلقى كل جيل كإرث مهمة إعطاء شكل لعصره: جعل التاريخ ينضج كمكان تُصان فيه كرامة كل إنسان، وتُعزز فيه العدالة، وتكون فيه الأخوة ممكنة. لكن خطر بناء عالم غير إنساني وأكثر ظلماً يلوح في أفق كل حقبة. حيثما تواجه البشرية خطر أن تضيّع وجهها، نرفع نحن المسيحيين أعيننا نحو الله الذي تجسد، عالمين أن "سر الإنسان لا يجد نوره الحقيقي إلا في سر الكلمة المتجسد". إن هذه الإنسانية الرائعة في يسوع المسيح تصبح هي الطريق والحق والحياة، فاتحةً لكل واحد منا الدرب للنمو نحو الملء".

أضاف الحبر الأعظم يقول أيها الأصدقاء الأعزاء، إن السبب وراء استمرار القديس فرنسيس في جذبنا بعد ثمانمائة عام من وفاته، يكمن في إنسانيته الرائعة التي دفعته إلى التخلي عن الطرق المرسومة مسبقاً، لكي يُفتح درب جديد يكون أكثر انسجاماً مع مسيرة يسوع. وحتى في مدينة مسيحية منذ قرون مثل أسيزي، بدا هذا الأمر ثورياً. "لقد كان اختيار كلارا أكثر إثارة للدهشة: فتاة أرادت أن تكون مثل فرنسيس، وأرادت أن تعيش، كامرأة، بحرية أولئك الإخوة!". تلك هي طاقة المسيحية، طاقة بداياتها وانطلاقاتها المتجددة المتعددة.

تابع الأب الأقدس يقول أيها الشباب الأعزاء، إن أوروبا والعالم بأسره يبحثان اليوم عن قديسين جُدد فيكم: فاجرؤوا على الإيمان بكلمة الإنجيل، وكونوا أشخاصًا يتمتعون بحرية يسوع المسيح، وعانقوا الأخ الفقر! إن شعار لقائكم – انطلقوا (Go!) – هو رسالة، وإرسال على دروب لا نملك خرائطها، لأنها تفتح بالإصغاء إلى القلب، والطاعة للروح القدس، واتباع القائم من الموت حيث شاء أن يسبقنا. Go! انطلقوا! بل بالأحرى: لننطلق معاً! Let’s go! نحو الأطراف، حيث الظلم واستبداد القلة يحرمان الكثيرين، بل الكثير جدًا من أبناء وبنات الله، من كرامتهم وأحلامهم.

أضاف الحبر الأعظم يقول لقد حذرنا البابا فرنسيس، متأثراً بفقير أسيزي، من "تجربة أن نكون مسيحيين يحافظون على مسافة آمنة من جراحات الرب. إن يسوع يريد منا أن نلمس البؤس البشري، وأن نلمس جسد الآخرين المتألم. وهو ينتظر منا أن نتخلى عن البحث عن تلك الملاجئ الشخصية أو الجماعية التي تتيح لنا البقاء على مسافة من جوهر المأساة البشرية". قد لا يكون المرء مفهوماً، حتى من قِبَل أهل بيته، كما حدث مع القديس فرنسيس. ومع ذلك، فإن التخلي عن ثقافة القوة وهدم الجدران التي تفصل بين البشر لا يمثل أبداً خيانة للعائلة أو المدينة أو التقاليد، بل هو تحرير لها من أشباحها، ومن أعداء تمّ اختراعهم بسبب الخوف والجهل، ومن العنف الذي نريد من خلاله فرض نظامنا الصغير على واقع يفوقنا من كل جانب. إنّ الثقة بالله تعني أن نجد مثل فرنسيس وكلارا، عالمًا من الإخوة والأخوات الذين يجب تقديرهم وخدمتهم، لا استغلالهم والسيطرة عليهم. ليس عالماً يجب الدفاع عنه، بل عالماً يجب معانقته.

تابع الأب الأقدس يقول كرّسوا أنفسكم، أيها الشباب الأعزاء، لحضارة المحبة، التي وجدتم براعمها في أمثلة كثيرة من المجانية، والتي تُحوِّل – على صورة المسيح – عددًا لا يحصى من صانعي السلام الذين يلتزمون اليوم أيضاً بخدمة الحياة في أكثر سيناريوهات الموت مأساوية. وحدوا أفضل طاقات إنسانيتكم الرائعة – دراستكم، كفاءاتكم، عملكم، صداقاتكم، حبكم، صلاتكم – محققين رؤية القديس فرنسيس بطرق متنوعة.

أضاف الحبر الأعظم يقول أعتقد أنكم تحبون تلك الصلاة التي غالبًا ما تُنسب إليه، وهي نص من القرن الماضي: اجعلني يا رب أداة لسلامِكَ، فأضع الحبَّ حيثُ البغض، والمغفرة حيثُ الإســاءَة، والإتفاقَ حـيثُ الخِلاف، والحقيقةَ حيثُ الضــلال، والإيمـان حيـثُ الشَّك، والـرجـاءَ حيثُ الـيأس، والنور حـيثُ الـظـلام، والــفـرحَ حيثُ الكآبة. ها هو "المكان" الذي يجب أن تذهبوا إليه! انطلقوا! ولكن إليكم بشكل خاص "كيف" تذهبون: يا رب لا تجعلني أطلبُ أوَّلاً أن أُعـزَّى بل أن أُعـزِّي، أن أُفهـمَ بل أن أَفـهـمَ، أن أُحَـبَّ بـل أن أُحِـبَّ؛ لأنَّ الإنسانَ يأخذُ عــنـدمــا يَـبــذِلُ نـفسَـهُ، ويَجِدُ نفسَه عندما ينساها، ويَحصلُ على الغُفرانِ عندما يَغفِر، ويقومُ للحياةِ عندما يموت.

وختم البابا لاوُن الرابع عشر عظته بالقول أيها الأصدقاء الأعزاء، لتنطبع هذه الأيام في أسيزي في ذاكرتكم، ولتكن العودة إلى البيت وإلى مختلف بلدان أوروبا التي ستسافرون إليها، بمثابة نزول بطرس ويعقوب ويوحنا من جبل التجلي العالي. عودة ملؤها التأمل، ومنفتحة على المستقبل، وملتزمة مع يسوع المسيح. فهو يثق بكم، ويعتمد عليكم، ويبقى معكم.