الأب أغسطينوس بالميلاد ميلاد سامي ميخائيل بطرس طوس
ليس الجحيم، في معناه الأعمق، مجرد حقيقة ترتبط بما بعد الموت، بل قد يبدأ الإنسان بتذوق شيء من ظلاله وهو لا يزال يسير بين الناس. فقد يحيا المرء أيامًا يبدو فيها كل شيء كما هو، بينما تدور في داخله معركة لا يراها أحد. وحين يشتد الألم، وتطول الوحدة، ويثقل الانتظار، ويغيب التعزية، يشعر الإنسان وكأنه يعبر أرضًا لا تنبت إلا الصمت.
وليس أخطر ما في الألم أنه يرهق الجسد أو يثقل النفس، بل أنه يحاول أن ينتزع من الإنسان معنى حياته. إنه يهمس في أعماقه بأن الرجاء قد خاب، وأن الحب قد ابتعد، وأن الله ربما صار صامتًا. ومن هنا يبدأ الجحيم الحقيقي؛ لا حين يتألم الإنسان، بل حين يظن أنه يتألم وحده.
غير أن الإنجيل يعلن الحقيقة التي غيَّرت تاريخ البشرية كله: إن الله لم يقف متفرجًا على آلام الإنسان، ولم يقدِّم تفسيرًا فلسفيًا للوجع، بل دخل إليه بنفسه. ففي يسوع المسيح لم يكتفِ الله بأن يتحدث عن الألم، بل عاشه؛ ولم يفسره بالكلمات، بل حمله على كتفيه، حتى النهاية.
في بستان جثسيماني بلغ الألم الإنساني إحدى ذراه. هناك وقف الابن أمام الكأس المريرة، وصلى إلى الآب: «لتكن لا إرادتي، بل إرادتك». لم تكن تلك الكلمات هروبًا من الألم، ولا استسلامًا له، بل كانت إعلانًا أن المحبة أقوى من الخوف، وأن الثقة بالله تستطيع أن تعبر حتى أشد ساعات الظلمة.
ثم مضى المسيح في طريق الآلام، يحمل الصليب، ويذوق الخيانة، والرفض، والإهانة، والوحدة، والعطش، وصمت القبر. لم يختر طريقًا آخر، لأنه أراد أن يدخل إلى أعماق التجربة الإنسانية، حتى لا يبقى إنسان واحد يستطيع أن يقول: إن الله لا يعرف ما أمرُّ به.
وحين نزل المسيح إلى مقر الأموات، لم يكن ذلك انتصارًا للموت عليه، بل كان بداية هزيمة الموت نفسه. لقد دخل إلى أعماق الظلمة، لا كأسير، بل كربٍّ غالب، ليعلن أن رحمة الله تبلغ إلى حيث لا تستطيع قوة بشرية أن تبلغ، وأن نور الله قادر أن يخترق كل ظلمة، مهما بدت كثيفة.
ومنذ تلك اللحظة تغيَّر معنى الألم، لا لأن الألم صار خيرًا في ذاته، ولا لأن الدموع فقدت مرارتها، بل لأن المسيح صار حاضرًا في قلب كل ألم. فالمسيحية لا تمجِّد العذاب، بل تمجِّد المحبة التي لا تستسلم للعذاب، ولا تمجِّد الصليب في ذاته، بل الذي حوَّل الصليب إلى شجرة حياة.
ولهذا لا يطلب الله من الإنسان أن يتظاهر بالقوة، ولا أن يخفي دموعه، ولا أن ينكر جراحه. فالإيمان ليس قناعًا يخفي الألم، بل نورًا يكشف أن الألم ليس الكلمة الأخيرة. إن المؤمن يبكي، ويتعب، ويضعف، لكنه لا يسمح لليأس أن يحتل قلبه، لأنه يعرف أن الله يعمل بصمت، حتى عندما تعجز العين عن رؤية عمله.
إن الإنسان لا يُقاس بما ربحه أو خسره، ولا بما امتلكه أو فقده، بل بما صنعه الألم في قلبه. فهناك من يحوِّل ألمه إلى مرارة، وهناك من يحوِّله إلى رحمة. وهناك من تغلقه جراحه على ذاته، وهناك من تفتح جراحه قلبه ليصير أكثر فهمًا للآخرين، وأكثر قدرة على المحبة، وأكثر قربًا من الله.
ولعل أعظم انتصار يحققه الإنسان ليس أن يهرب من الألم، بل أن يمنع الألم من أن يسرق إنسانيته. فحين يبقى القلب قادرًا على المحبة، والروح قادرة على الرجاء، والإيمان قادرًا على الصلاة، يكون الإنسان قد انتصر، حتى وإن بدا في نظر العالم مثقلًا بالصليب.
إن العالم لا يحتاج إلى أناس لم يعرفوا الألم، بل إلى أناس عبروا الألم دون أن يفقدوا نورهم الداخلي. يحتاج إلى رجال ونساء يحملون في قلوبهم سلامًا لا تصنعه الظروف، ورجاءً لا تهدمه التجارب، لأنهم أدركوا أن الله لا يَعِد أبناءه بطريق يخلو من الصليب، لكنه يعدهم بأنهم لن يحملوا صليبهم وحدهم.
هذه هي بشارة الإنجيل، وهذا هو قلب الإيمان المسيحي: أن الله لم يمنع الألم عن الإنسان، بل دخل إليه؛ ولم يلغِ الموت، بل غلبه؛ ولم يَعِدنا بحياة بلا دموع، بل وعد أن يكون معنا في كل دمعة، حتى يأتي اليوم الذي «سيمسح كل دمعة من عيونهم».
وعندئذ ندرك أن الجحيم لم يكن يومًا الكلمة الأخيرة، وأن الصليب لم يكن نهاية الطريق، وأن الليل، مهما طال، لا يستطيع أن يمنع شروق الفجر. فالكلمة الأخيرة كانت، وما تزال، وستبقى دائمًا... للحياة، وللمحبة، وللرجاء، لأن المسيح القائم من بين الأموات هو رب التاريخ ورب الإنسان، وهو الذي جعل من الصليب بابًا إلى القيامة، ومن الألم طريقًا يمكن أن يقود، بالإيمان، إلى مجد الحياة.
بقلم





