القمص يوحنا نصيف
جاءتني رسالة طويلة من أحد الأحبّاء، بها استياء ورفض واستنكار للتواصُل مع القدّيسين في السماء، بداعي أنّ هذا لا يوجَد في نصوص الكتاب المقدّس، مع سؤال مُحَدّد: "هل رأينا في الكتاب المقدّس أحدًا تَوَجَّهَ -وهو حيٌّ علي الأرض- بطَلَبِهِ أو صلاتِهِ لقدّيس منتقل للسماء، أو وَجّه له الكلامَ مباشرةً؟"
الأخ الحبيب
لكي نفهم الأمور بشكل سليم لابد أن نضع الموضوع في إطاره الكامل.. ولذلك بنعمة المسيح سأقدّم إجابتي لك في سبع نقاط مركّزة:
أولاً: إنّ الإيمان المسيحي -في المفهوم الأرثوذكسي- هو تسليم حيّ مُعاش يرتكز على ما يُسمَّى بالتقليد الكنسي. والتقليد الكنسي يستقي مصادرة من خمسة روافد:
1- الأسفار المقدّسة.
2- أقوال آباء الكنيسة، وبالذّات القرون الخمسة الأولى.
3- الليتورجيات.
4- قوانين المجامع المسكونيّة.
5- ما يمكن تسميته بالفنّ الكنسي، ويشمل الألحان والأيقونات وشكل بناء الكنائس..
فالكنيسة مثلاً عاشت بدون أسفار في العهد الجديد لمدّة عشرات السنين قبل كتابة الأسفار ولكنّها كانت تمارس الأسرار والتسبيح والتعليم الشفاهي.. ما أقصده أنّنا لا يمكن أن نعتمد فقط على ما جاء في الأسفار المقدّسة، لأنّ هذه الأسفار لم تؤسِّس للممارسات الكنسيّة بل فقط أشارت إليها، إذ أنّ هذه الممارسات كانت موجودة قبل كتابة أسفار العهد الجديد.
ثانيًا: إذا كُنّا نعترف أنّ القديسين بعد انتقالهم للسماء هم أحياء فما المانع أن نتواصل معهم؟ ماذا يمنعنا أن نقول "السلام لك يا مار جرجس" أو "بركتك يا أمّ النور"؟!
ثالثًا: إذا لم يكُن في أحداث الكتاب المقدّس قد ذُكِر موقف محدّد أنّ أحدًا تكلّم مع قديسين منتقلين، فليس هذا تأكيدًا على أنّه لم يحدُث شيء من هذا.. كما أنّ وصايا الكتاب المقدّس ليس فيها ما يمنعنا من هذا.. فالحوار مفتوح بوجه عام بين السمائيين والأرضيين.. وقد جاء في كلام السيّد المسيح "من الآن ترون السموات مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان" (يو1: 51) بل أنّ هناك الكثير جدًّا من آيات الأسفار المقدّسة التي نخاطب فيها الملائكة والقدّيسين، وبالذّات في المزامير: "باركوا الرب يا جميع ملائكته.. باركوا الرب أيّها القدّيسون والمتواضعو القلوب.. سبحوا الربّ من السموات هلليلويا.. باركوا الربّ يا جميع جنوده، خدّامه العاملين مرضاته... إلخ.
رابعًا: في المفهوم الأرثوذكسي، نحن نضع الأيقونات في الكنائس، لتكون بمثابة نوافذ مفتوحة على السماء، يطلّ منها القديسون علينا مثل سحابة شهود محيطة بنا (عب12: 1) ليشجّعوننا.. ونؤمن أنّ الأيقونة بعد تدشينها بالميرون تكون بمثابة حضور حيّ للقديس في الكنيسة.. وبوجه عام كلّ شيء في الكنيسة حيّ يمكننا أن نخاطبه ونتواصل معه.. المنجليّة، الأيقونة، المذبح.. هكذا عاش آباؤنا القديسون في الكنيسة وتمتّعوا بشركة القدّيسين فيها.. فلا ننسى مثلاً أنّ القدّيس البابا كيرلّس السادس كان وهو يطوف بالبخور يقف متأمّلاً عند بعض الأيقونات ويخاطبها.. فكان مثلاً يقول: "نهارك سعيد يا أمّ النور، معونتك يا أمّ النور..." وهكذا.
خامسًا: الكنيسة في ليتورجيّاتها ونصوص صلواتها تمارس الحديث مع القديسين المنتقلين بشكل مكثّف؛ وهذا جزء من التقليد الكنسي، وبالتالي هو جزء أساسي من إيماننا الأرثوذكسي. فمثلا نحن كثيرًا ما نخاطب السيّدة العذراء في التسبحة والأجبية وألحان القدّاس.. والأمثلة لا تُحصى ولا تُعَدّ: "افرحي يا مريم العبدة والأم لأن الذي في حجرك الملائكة تسبحه... نعطيكِ السلام مع غبريال الملاك قائلين السلام لك يا ممتلئة نعمة الرب معكِ.. أنت مستحقّة أكثر من جميع القديسين ان تشفعي فينا أيّتها الممتلئة نعمة.. أنت هي أمّ النور المكرّمة من مشارق الشمس إلى مغاربها، اسأليه أن يعطي الخلاص للعالم الذي خلقه.. هيئي لي أسباب التوبة أيتها السيّدة العذراء.." ولعلّك تلاحظ أنّ هذا النوع من التواصُل ليس فيه نهائيًّا عبادة للقديسة مريم، ولكنّه علاقة صداقة ومحبّة وتمجيد وطلب شفاعتها عنّا.. وهكذا نتعامَل مع باقي الملائكة والقدّيسين كأعضاء في أسرة واحدة؛ فهؤلاء هم عائلتنا الجميلة، ونحن جميعًا أهل بيت الله (أف2: 19).
سادسًا: عندما تقول أنّ لحن "بشفاعات والدة الإله القديسة مريم يارب أنعم لنا بمغفرة خطايانا" كلماته مقبولة لأنّه يخاطب الله، في حين إذا قلنا (كما في مجمع التسبحة) "اشفعي فينا يا سيّدتنا كلّنا والدة الإله مريم أمّ مخلصنا ليغفر لنا خطايانا" يكون هذا غير مقبول، لأنّنا نخاطب العذراء وليس السيّد المسيح.. فاسمح لي أن أقول أنّ المعنى في النهاية واحد، بينما غير المقبول هو الحرفيّة والحساسيّة من مخاطبة القدّيسين وكأنّنا سنُشرِك بالله إذا خاطبناهم! فإذا كُنّا نؤمن أنّهم أحياء ولايزالون أعضاء في جسد المسيح مثلنا بعد انتقالهم، لماذا لا نخاطبهم ونتواصل معهم بكلّ الوسائل؟! بالمناسبة لعلّك تَذكُر في مَثَل الغني ولعازر أنّ الغني خاطب إبراهيم وإبراهيم ردّ عليه.. وهذا يؤكِّد أنّه ليس منطقيًّا أن نتجاهَل القدّيسين المنتقلين وكأنّهم غير موجودين!
سابعًا: ليتورجيات الكنيسة تُعَلِّمنا بشكل عام الانشغال بتسبيح الله وتمجيد اسم يسوع وطلب الامتلاء بالروح القدس، وستجد 95% من تسابيح وصلوات الكنيسة حول هذه المحاور.. وإذا كان هناك 5% للتواصل مع القديسين والملائكة بتمجيدهم وطلب صلواتهم، فهذا ليس فيه ما يجرح علاقتنا بالثالوث القدُّوس، بل أنّ هذا التواصُل يسند الإيمان ويقوّي علاقتنا بالسماء وسكّان السماء ويشوّقنا بالأكثر للارتباط بالسماء، حيث مستقبلنا وعُرسنا الأبدي، في شركة ميراث القديسين في النور (كو1: 12).
القمص يوحنا نصيف





