الديموجرافيا السياسية والطائفية للبنان (2-10)
أكرم ألفي
عندما سمح الامير فخر الدين المعني الثاني في القرن السابع عشر للموارنة بالانتقال إلى جنوب الجبل وتوافد الآلاف من الفلاحيين الموارنة من شمال الجبال وخاصة كسروان بدأ تاريخ الأغلبية المارونية في جبل لبنان، حيث تحول الفلاحيين الموارنة إلى الأغلبية في الجبل وهي القوة الديموجرافية التي بلورت قوة المجموعة الضخمة التي ارتبط اسمها بمار مارون والبطريرك مار يوحنا الماروني.
- جبل لبنان "حيز هروب" الأقليات من السلطة
في جبل لبنان وجدت هذه الطائفة الحيز الجغرافي المناسب للهروب من تعسف السلطة المركزية وسلطة الولاة في شمال سوريا هروباً من اليعاقبة المسيحيين ثم من انتقام المماليك، فكان حيزاً آمناً بعيداً عن العمران، ليتشارك الموارنة المناطق الجبلية الوعرة مع الدروز والشيعة الاثني عشرية.
تشير التقديرات إلى أن عدد الفلاحين الموارنة في القرن السابع عشر ناهز 100 ألف نسمة كانوا يمثلون الأغلبية الكاسحة في شمال جبل لبنان وبالأخص في كسروان وجبيل والبترون وأصبحوا الأغلبية في جنوب الجبل أيضاً في ظل انتعاش تربية دودة القز وصناعة الحرير وتسامح الأمير فخر الدين الثاني الذي سمح لهم بالهجرة للجنوب.
هذه الأغلبية سمحت للموارنة بالسيطرة على الجبل عبر تحول بشير شهاب إلى المارونية (كان ينتمي للمذهب السني وعرف عنه ايضاً أنه كان درزياً) وانتصاره على بشير جنبلاط.. وكذلك بسبب صداقة الموارنة مع إبراهيم باشا (ابن محمد علي) الذي عاملهم على قدم المساواة مع المسلمين خلال سيطرته على المنطقة.
- انتفاضة الفلاحين الموارنة
كان اقتصاد الحرير سر قوة الفلاحين الموارنة الفقراء من سكان الجبل.. القوة التي دفعت طانيوس شاهين لقيادة ما يمكنه تسميته "انتفاضة الفلاحين الموارنة" ضد آل الخازن (الموارنة) في الشمال ولكن مع انتقال الانتفاضة للجنوب ضد الاقطاعيين الدروز تحولت ثورة الفلاحين من ثورة طبقية إلى حرب طائفية في أول انتصار واضح للطائفة على الطبقة (عاطف عطية).. وهي الحرب التي انتصر فيها الدروز عسكرياً وخسروها في ميدان التسوية السياسية.
مع الوقت أصبح هناك فائض سكاني فلاحي في الجبل بدأ يهاجر عبر البحار بعد أن كان يكتفي بالهجرة إلى جنوبي جبل لبنان والبقاع وبين 1860 و1914 غادر جبل لبنان ثلث سكانه تقريبا مما اضطر السلطة العثمانية للتدخل لضبط المغادرة للخارج (فواز طرابلسي)
رغم كثافة الهجرة للخارج من مناطق تركز الموارنة في الجبل فإن الموارنة ظلوا الأغلبية في ظل المتصرفية (نظام حكم جبل لبنان في القرن التاسع عشر) وقادت هذه الهجرة إلى ظهور رؤساء ممن أصول موارنة ومسيحية لبنانية في هذه الدول مثل ميشيل تامر (2016-2019) في البرازيل وماريو عبده بينيتيز رئيس الباراجواي (2018-2023).
- مشروع لبنان الكبير
وخلال الحرب العالمية الأولى شهد الجبل مأساة إنسانية بسبب المجاعة التي سببتها أسراب الجراد والحصار البحري مما أدى إلى وفاة 200 ألف من سكان جبل لبنان أي تقريباً نصف سكان جبل لبنان بالطبع أغلبهم من الموارنة بحكم كونهم أغلبية السكان.
هكذا انتهت الحرب العالمية الأولى وقد تقلص ثقل الموارنة الديموجرافي في جبل لبنان إلى أقل من 200 ألف نسمة ولكن ظلوا الأغلبية فهي الطائفة الوازنة عدديًا وبوجود قيادة دينية متنفذة هي البطريرك الياس الحويك وعلاقة قوية مع الفرنسيين فيما انتقل انحياز الدروز من العثمانيين إلى بريطانيا ومع حسم ملف الشام لصالح فرنسا..
كان من الطبيعي أن ينتصر مشروع البطرك الماروني الياس الحويك وهو مشروع "لبنان الكبير" أي ضم الساحل وفي قلبه بيروت وطرابلس وصيدا وصور إلى جبل لبنان ليصبح "لبنان"، ولكنه كان "لبناناً" أكبر من قدرة الموارنة على السيطرة الديموجرافية ولكنه يلبي طموح رجال الأعمال ورجال المال والتجار الموارنة في الحصول على الموانئ على البحر المتوسط والسيطرة على التجارة. مشروع خرج بقرار فرنسي ومباركة مارونية وسنية.
هكذا خرج لبنان إلى التاريخ الحديث بديموجرافيا مغايرة تماماً عن ديموجرافيا جبل لبنان قبل الحرب بسبب ضم مناطق تضم أعداد كبيرة من المسلمين السنة والشيعة إلى جانب تقلص اعداد الموارنة والمسيحيين والدروز بسبب مجاعة الجبل فكان تعداد 1932 الذي أظهر أغلبية بسيطة جدا للمسيحيين (51%) فيما لم يتجاوز الموارنة 28.7% من السكان بعد أن كانوا قبل الحرب العالمية الأولى في بعض التقديرات اكثر من 70% من سكان جبل لبنان!.
إن لبنان الجبل ليس لبنان الكبير فقد رسم الفرنسيون خريطة كان هدفها مصالحهم فقط وفي قلبها احتفاظ الحلفاء من الموارنة بالقيادة ولكنهم لم يدركوا أن حكم الديموجرافيا على السياسة قاسي للغاية.. وقد كان.
- انقلاب الديموجرافيا على الساحر
لم يدرك قادة الموارنة والقابع في بكركي أن الواقع الديموجرافي قد أصبح مغايراً فقد تحول الموارنة مجدداً إلى أقلية كبيرة في وسط من أغلبية مسلمة.. وهو الواقع الذي انعكس في 1958 حيث كان كميل شمعون يسعى إلى حكم لبنان وفقا للصيغة القديمة ولكن الواقع انتصر لفؤاد شهاب (ابن عائلة الأمير شهاب وعائلة أل حبيش الاقطاعية المارونية) الذي ادرك أن زمن الزخم الديموجرافي الماروني الذي انتصر للمنتفض في وجه عائلة والدته (طانيوس شاهين) قد انتهى.
ومن وقتها توقف الاحصاء الطائفي للبنان، حتى لا تتغير المعادلة السياسية في غير صالح الموارنة.. هذا هو الواقع الطائفي اللبناني فقد تحولت الخريطة من قيادة ديموجرافية مشتركة بين الموارنة والسنة إلى ظهور الشيعة كقوة ديموجرافية ثالثة مع تراجع واضح في أعداد الموارنة والمسيحيين.
- لماذا انخفضت نسبة الموارنة؟
كان عدد الموارنة في احصاء 1932 نحو 227,800 أي 28.7% من سكان لبنان الكبير وقتها وهو الرقم الذي لن اشكك فيه (رغم إمكانية وسهولة التشكيك).. وكان هذا العدد هو التعبير عن الهجرة الواسعة ووفاة نصف موارنة الجبل في المجاعة حيث كان عدد الموارنة في تقديرات في نهاية القرن التاسع عشر نحو 400 ألف نسمة!!.
ولكن ما حدث بعدها كان غير متوقع فقد قاد ارتفاع معدلات التعليم بين الموارنة بسبب الوجود التاريخي للمدارس الفرنسية في الجبل وجامعة القديس يوسف (نافست الجامعة البروتستانتية السورية – الجامعة الامريكية فيما بعد) وتحول قسم كبير من الموارنة من خلال التجارة إلى طبقة وسطى وبرجوازية كبيرة إلى جانب دخول المراة المارونية سوق العمل إلى تراجع متسارع لمعدل الخصوبة بين الموارنة.
وبالنسبة لي أقدر أن الكاثوليك والأرمن الارثوذكس والموارنة كانت أول مجموعات كبيرة نسبياً في منطقتنا تراجعت خصوبتها دون مستوى الاحلال (2.1 طفل لكل سيدة) وزاد تراجع الخصوبة استمرار موجات الهجرة للشباب الماروني إلى أمريكا اللاتينية وأوروبا بسبب وجود شبكة امان من أقارب في هذه البلدان.
وفي منتصف السبعينيات، ومع بروز الحضور الديموجرافي للشيعة ووجود قوة السلاح في يد المنظمات الفلسطينية بتحالفهم مع كمال جنبلاط والسنة، وجد القادة الموارنة انفسهم بين شقي الرحى فالحلم يضيع واستغلوا الطفرة الشبابية المارونية (30% من الموارنة وقتها كانوا من الشباب) ليدخلوا الحرب الطائفية في 1975.
- نهاية الطفرة الشبابية المارونية
عبر التحالف الثلاثي (الجميل – شمعون- إدة) ديموجرافياً عن طفرة شبابية مارونية في لحظة تراجع ديموجرافي أو بوصف اخر أخر نقاط القوة الديموجرافية للطائفة المارونية..
كان قادة الميليشيات اللبنانية يدركون حدود قوتهم الديموجرافية ومن وجهة نظري كان الميليشياوي ايلي حبيقة الأكثر ادراكاً لصعوبة الحكم والسيطرة في ظل التناقص الديموجرافي الحاد وكانت سياساته الميليشاوية تعبيراً عن هذا التقدير الديموجرافي القاسي فلجأ إلى سياسة "الأرض المحروقة" مع الفلسطينيين.
بدون العودة للجرح الذي لم يلتئم ولن يلتئم بسهولة من وجهة نظري.. فقد انتهت الحرب الأهلية بمأساة "حرب الإلغاء" بين ميشال عون وسمير جعجع حرباً كان هدفها توحيد السلاح الماروني ولكن نتيجتها هو انتفاء القدرة المارونية على حمل السلاح.. فقد قادن الحرب المارونية – المارونية إلى هجرة 800 ألف لبناني اغلبهم من الشباب الموارنة لتنتهي الطفرة الشبابية المارونية بالسلاح الماروني!.
- ديموجرافيا الموارنة 2026
في 2026 هناك نحو 4 ملايين ماروني (بحسب اكبر التقديرات) ولكن في لبان فلا يمكن أن يتجاوز عدد الموارنة 750 ألف نسمة، فبتقدير عدد سكان لبنان من اللبنانيين بنحو 3.7 مليون نسمة وأن الموارنة يمثلون على اقصى تقدير 20% فإن إجمالي الموارنة لن يزيد عن 750 ألف نسمة..
ليست هذه الإشكالية الديموجرافية المارونية فالإشكالية الأكبر أن نسبة كبار السن بين هؤلاء تزيد عن 20% في أقل تقدير، بينما يمثل الشباب أقل من 20% من الطائفة المارونية اليوم في ظل الهجرة والتراجع الحاد للخصوبة.. هذا التقدير قد يدفع البعض إلى نقاش أهمية تغيير التقسيم الطائفي للمناصب في لبنان وهذه هي المصيبة..
إن لبنان الذي نحبه هو لبنان بدون سياسة طائفية وبدون أمراء الطوائف وبدون بارونات المال الطائفيين واستخدام الأرقام لصالح زيادة نصيب أمير طائفة على حساب أمير طائفة أخرى هو هدف جميع من يسعى للتعامل مع لبنان باعتباره "تورتة" يجب تقسيمها وليس وطناً للبنانيين.





