أدهم (٢): التجربة ووهم امتلاك المستقبل

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
لكنّ الخير الذي يتلقاّه أدهم لا يلغي هشاشته. فهو يحمل إحساسًا قديمًا بالفارق بينه وبين إخوته: لونهم المضيء أمام لونه الأسمر، وقوتهم أمام رقته، وسمو أمهم أمام وضاعة أمه. وقد حال نظام البيت في البداية من دون تحوّل هذا الألم إلى حقد، إلّا أنّ الجرح بقي في داخله. لذلك ليست تجربته اللاحقة نتيجة فضول مجرّد؛ إنها تمسّ حاجته العميقة إلى الاطمئنان على مكانته ومستقبله، وإلى معرفة ما إذا كان اختياره لإدارة الوقف سيبقى عطيّة أم يتحول إلى مصدر جديد للرفض.

يدخل إدريس من هذا الجرح. ولا يأتي هذه المرة صائحًا أو سكران، وإنما في هيئة إنسانٍ منكسر، «رثّ الهيئة، هادئًا، متواضعًا، حزين الطرف». ويخاطب في أدهم أرقّ ما فيه: رحمته، ووفاءه للإخوة، وشعوره بالذنب تجاه المصير الذي آل إليه إدريس. يقول له: «لا أقف موقفي هذا من أحدٍ سواك؛ إذ إن مثلي لا ينسى كبرياءه إلا حيال الخلق اللطيف». ويجد أدهم في هذا الخطاب ما يتمنى سماعه: اعترافًا بطيبته، وإمكانًا لشفاء الانقسام العائلي، وفرصة لإنقاذ أخيه. لهذا تصبح التجربة أكثر تعقيدًا من إغراء بشر صريح. فالشر يدخل متخفيًا في صورة الرحمة. إدريس لا يطلب المال، ولا يدعو أدهم إلى الانتقام، وإنما يطلب الاطمئنان على مستقبل ذريته. ويقول إن راحة باله معلقة بمعرفة ما كُتب عنه في حجة الوقف. وهنا يصير الفضول إحسانًا، وانتهاك السر إنقاذًا لإنسان يتعذب. إنّ الخداع الحقيقي لا يقدّم الشر باسمه، وإنما يعيد وصفه حتى يبدو امتدادًا للخير.

ويساعد بول ريكور على فهم هذه البنية حين يبيّن أنّ الاعتراف بالشر لا يصل إلينا أولًا في لغة المفهوم المجرد، وإنما بواسطة الرموز والحكايات التي تعبّر عن خبرة الإنسان بكونه صاحب الفعل وواقعًا في الوقت نفسه داخل شر سبقه وتجاوز قصده. فالرمز، وفق عبارته الشهيرة، «يعطي الفكر مادةً للتفكير».¹ وتسمح قصة أدهم بإدراك الشر داخل حركته الحية: يبدأ جرحًا في الهوية، ثم يظهر شفقةً على أخ منكسر، ويتحول إلى فضول بشأن المستقبل، وينتهي فعلًا يبدد العلاقة التي كان الإنسان يريد حمايتها. إنّ السرد يكشف تَكوُّن الذنب من الداخل، حيث تختلط الدوافع ولا يأتي الفعل الشرير عادةً تحت اسم الشر.

يدرك أدهم الخطر منذ اللحظة الأولى، فيقول: «ما أفظع ما تدعوني إليه يا أخي!»، ويحدد جوهر الفعل بدقة: «تطلب إليَّ سرقة سر يحرص أبونا على صونه». ومع ذلك لا ينتهي الصراع بهذا الإدراك. فالإنسان قد يعرف الخير ويظل عاجزًا عن اختياره؛ لأنّ معرفته موزعة بين رغبات متنافسة: محبة الأب، والشفقة على الأخ، والخوف من المستقبل، والقلق على الزوجة والطفل المنتظر، والرغبة الخفية في معرفة ما لا يزال مستورًا. وتكشف أميمة هذا الجانب المستور. فهي لا تزرع الرغبة من العدم، وإنما تنطق بما يتحرك داخل أدهم نفسه. وحين تسأله: «مَن ذا يقاوم الرغبة في الاطلاع على المستقبل؟»، فهي تضع يدها على جوهر التجربة. فالحجة ليست مجرد وثيقة قانونية؛ إنها معرفة بالمصير. والإنسان يريد أن ينتقل من الثقة إلى الضمان، ومن استقبال المستقبل إلى امتلاكه، ومن الحياة في علاقة إلى السيطرة على ما تخبئه العلاقة.

هنا تتعمق الصلة بقصة سفر التكوين. فالمشكلة ليست المعرفة في ذاتها؛ لقد اختير أدهم بسبب علمه بالكتابة والحساب. إنّ الخلل يقع حين تتحول المعرفة إلى وسيلة للاستحواذ على المستقبل وتجاوز حدود الثقة. يريد أدهم أن يعرف ما لم يُعطَ له أن يعرفه، وأن يؤمّن حياته بعيدًا عن حرّيّة العلاقة. ومن هنا يمكن فهم إجابته لأميمة: «لا أود ما لا يود أبي». إنه يعرف أنّ القضية ليست الورقة وحدها؛ إنها إرادة بناء المستقبل من خارج الثقة التي أسست حياته.

 ومن منظور بول ريكور، تمثل الرغبة في معرفة الحجة محاولةً لإلغاء المسافة بين الذات ومستقبلها. فالإنسان كائن يمتد وجوده في الزمن، ويظل مستقبله مفتوحًا على الوعد والمبادرة والمفاجأة. وهو يحافظ على ذاته من خلال الأمانة لما تلقاه والوفاء بما يلتزم به، وليس من خلال امتلاك صورة كاملة لما سيحدث له.² يريد أدهم أن يحول المستقبل إلى نص مغلق يقرأه مسبقًا، فيستبدل بوعد العلاقة يقين الوثيقة. وهكذا يصبح طلب المعرفة رفضًا ضمنيًّا لزمنية الإنسان، أي لكونه كائنًا يعيش بالثقة والعمل والانتظار. 

لكن أميمة تحوّل الخوف إلى اتهام: «أنت مقتنع بما أقول... ولكنك خائف، والخوف لا يليق بك». وبذلك يصبح التراجع جبنًا، ويصبح العصيان شجاعة، ويعاد ترتيب اللغة حتى يفقد القرار اسمه الحقيقي. ويعترف السرد بأنّ أدهم تركها تسترسل «لأن جزءًا من نفسه كان بحاجة إلى تأييدها». هذه العبارة من أعمق ما كتبه محفوظ في تحليل التجربة الأخلاقية. فالإنسان لا يُغوى دائمًا بفكرة غريبة عنه؛ إنه يبحث أحيانًا عمن يمنح رغبته الخاصة صوتًا وتبريرًا. وحين يقول أدهم: «ترى هل أندفع نحو الخراب؟»، يكون قد أدرك المصير وهو لا يزال قادرًا على التراجع. ومع ذلك يواصل المسير. فالخطيئة هنا لا تحدث في لحظة غياب الوعي، وإنما داخل وعي منقسم يعرف الخطر ويستسلم له. وقد وصف أوغسطينوس هذه الخبرة حين رأى أنّ الإرادة تستطيع أن تنشق على نفسها، فتأمر ذاتها ولا تطيع ما تأمر به؛ لأنّ رغباتها فقدت وحدتها وترتيبها.³ ويقدم ريكور قراءةً مكمّلة لهذا الانقسام؛ فالإنسان الفاعل لا يمتلك نفسه امتلاكًا شفافًا. إنه يكتشف معنى فعله من خلال التأويل، ويظل قادرًا على خداع ذاته بواسطة اللغة التي يصف بها دوافعه. لذلك لا تكفي النية المعلنة لتحديد المعنى الأخلاقي للفعل. وقد اعتقد أدهم أنّه يريد إنقاذ إدريس، بينما كان يريد أيضًا تخفيف شعوره بالذنب، وضمان مستقبل أسرته، واختبار مكانته عند الجبلاوي. فالذات، في تعبير ريكور، لا تصل إلى نفسها مباشرة؛ إنها تبلغ فهمها لذاتها من خلال طريق التأويل الطويل.⁴

للموضوع بقيّة
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ