(نياحتها 2 مِسرى / 8 أغسطس)

حوار بين خادمين

بقلم / عادل يوسف
خادم قبطي (مصر / الولايات المتحدة)
 
مقدمة:
اختصارًا: إنسانة تقية وأسرتها المصرية من القرن الرابع، بعد وفاة الوالدين كرست نفسها للفضيلة وثروتهما للخير وبيتها لاستضافة الرهبان والغرباء. انحرفت للرذيلة وتحول بيتها لمكان للخطيئة. أرسل رهبان شيهيت القديس يحنس القصير لافتقادها وردها. تأثرت هي بالنعمة على وجهه وتذكَّرَت خبرات الفضيلة والطهارة وحياة القداسة والنعمة، فدار بينهما الحوار التالي:
●هي: هل لي توبة؟
●هو: نعم، ولكن ليس في هذا المكان!
●هي: خذني إلى حيث تشاء!
 
قام خادم بإرسال سيرة القديسة بائيسة بالتفصيل لخادمة بدولة أخرى، فجاء تعليقها كالتالي:
"قصتها رائعة.. والأروع فيها كانت آخر جملة: "قُبِلَت توبتها لأنها كانت من أعماق قلبها..". وهذا ما يريده الرب منا.. أن تكون توبتنا من القلب بندامة.. مش توبة باللسان فقط.. لما القلب لا يتغير يبقى حاقد أو كاره للناس.. يجب أن يتنقى القلب ويتطهر بالكامل..
 يا رب أعطنا أن نرضيك وأن نقدم توبتنا عن ندامة تامة ومن قلب تائب كاره للخطية ومقرر ألا يعود للخطية من جديد ❤️".
 
بعدها جاء رد الخادم في صورةٍ تأملية كما يلي (بتصرفٍ محدود):
"اتفق معكِ على روعة عبارة "قُبِلَت توبتها لأنها كانت من أعماق قلبها"…  لكني عادة أجد نفسي مفتونًا - كلما تذكرت بائيسة - بعبارتها: "خُذني إلى حيث تشاء".
 
من الواضح أن أي شخص عاش في الخطيئة والوحل لفترة ممتدة، أن حدقة عينيه لا تقوى على رؤية النور والطريق سريعًا. الحدقة ما زالت ضيقة كنتيجة للظلمة السابقة الممتدة… خبرة النور لا تُستَرد سريعًا.
 
ولكن أيضًا، القديسة بائيسة، بخبرات نور وقداسة سابقة وذكريات وخبراتِ قُرب من القدوس الواحد أدركت بقوة وبثقة أن ذاك الذي كان جالسًا أمامها هو من رجالات الله الذين اعتادت أن تنهل نعمة الله من خلالهم ومن رائحة ثيابهم… وثقت به ووثقت أن الله كان فيه ومتجسدًا لنجدتها وخلاص نفسها، وأن ذاك العظيم أرسله لأجل روحها الحساسة الرقيقة التي أظلمت لبعض الوقت. وفي الحال سلَّمت نفسها وكل كيانها لمبعوث إلهها الأمين بثقة منقطعة النظير، وكأنها ذاك الذي كان نازلًا مِن أورشليم ووقع بين لصوص، فَعرَّوه وجرحوه وتركوه بين حي وميت، والآن هي بين يدي السامري الصالح.
 
 
ولكن هنا استطاعت أن تنطق بتلك الكلمات الذهبية في استسلام وتسليم لأيدٍ عَرِفَت بخبرات نورٍ سابقةٍ أنها أمينة جدًا، قائلةً: "خُذني إلى حيث تشاء"!
وبالفعل قد أخذها ليس إلى حيث شاء هو، بل إلى حيث قاده مَن سبق هو شخصيًا فأسلم له إرادته وكيانه وروحه، فقاده الروح إلى حيث وثقَت وأيقنَت المسكينة أنه سيكون لخيرها…
 
وضعَت روحها، وكل شيء، في يدي البشري الإله (إبنيفماتوفوروس) الذي بدوره كان قد سبق وأخلى وأسلم أيضًا، كسيده (فيلبي 2). قاده الروح بها إلى حيث كان موضع تَحرُر وانطلاق روح عاشت الخطيئة وهي غريبة عنها. شربت منها ولم تروها.. الخطيئة كانت غريبة عن طبيعتها ونفسها الحساسة لأقل وأبسط كلمات تفتقد روحها بلمحة نور بسيطة رأتها في وجه قرر سلفًا ألا يَبقى مُعتِمًا، لأجل الله… افتقاد يُقَصِّر في أدائه حتمًا كل مَن يعملون في حقل الخدمة والافتقاد إذا ما لم يُخلوا ذواتهم أولًا، لكيما ينير هو بنفسه (ذاك العظيم) لكل مَن هم في ظلمة الجحيم، وتتوق أنفسهم إلى أوكسجين الحياة (نِفَاس قُدُّش)، ولو لنسمة للحظة…
 
لا نريد أن نرى أو أن يختبر البعض إحساس الشخص الغني في الجحيم متمنيًا لمسة ترطيب من إصبع لعازر وسط لهب والتهاب نار ليست هي لهيب لظي الرب وحرارة محبة القدوس وروحه اللطيف الحار والمتقد دون أن يحرق ثياب الفتية، بل يحتضنهم بغطاء مجده وبهاء نور حبه العظيم وإشراقة شمس نهاره… ذاك الفتى ابن العظيم!
 
أخذ هذا الأب الأمين (الحكيم بالنعمة كأب) بائيسة / نفس وكيان بائيسة المسكينة المنتصرة باختيار الأب لنفسها من قبل تأسيس العالم، وبتوبتها القوية الصادقة، وباعترافها أنها أخطأت، وبوعيها أن ما لبسته خلال الفترة السابقة لم يكن ثوبًا أحبته ولم يكن طبيعتها التي خُلِقت عليها، فإشتاقت للنور والنهار وللحقيقة المطلقة، وللعودة إلى حياة سبق أن تذوقتها فعشقتها روحها المباركة.
 
أخذها إلى خالقها لكيما يتزوج عروسه العذراء البكر بكل ما تعنيه الكلمة.. لأن مهما كان ذاك الذي مرت به من عربدة، لم يمكنه بأي حال أن يمحو المسحة مِن كيانها ولا النور الذي وُلِدت به وفيه يوم ميلادها في المسيح بالروح، ولم تقدر كل قوات الظلمة أن تفسخ عقد قرانها بعريسها الأوحد الأبدي الذي لا يستطيع أحد أن يخطف مِن يده ولا يد أبيه لأنهم "شاطرين".. بل وأبعد من ذلك، لم تقدر قوات الظلمة أن تفسد عذراويتها، لأنها عذراويتها إنما للروح وليست للجسد... فتزوجها ملكها أبدياً.
 
هنيئًا لكِ حبيبتي بائيسة… العذراء بائيسة… لا تحزني.. لم يفسد عذراويتكِ مفسدو العالم - أدوات إبليس - لأن لمحة نور إلهكِ، عريس نفسك، لهُو أقوى بما لا يمكن وصفه من كل ما يلوثنا به العالم… يمحوه في لمحة، في لحظة، يمحوه كغيمة صيف، حبيبتي…
 
صلي عنا يا قديسة، يا عروس مُطَهَّرة ومُبيَّضة لكيما نَصِل كما وصَلتِ … أكسيا يا بائيسة! أكسيا.. أكسيا…!!!
 
استقبلتكِ العذراء مريم وبرفقتكِ جيش الجنود السمائية وقالت لكِ: "تعالي يا عذراء، يا عروس ابني الشاطر اللي عِرِف يِحافظ عليكِ عذراء من خطية وفساد العالم ويخلصكِ له! أدخلي وكوني فيه وله.. وبعدما يكمل ابني مشيئة أبيه وأبيكِ فيكِ وفي بقية إخوتك وأخواتك، سيبطل آخر عدو لنا جميعًا. بعدها سيُعَلِّمكِ ابني أن نطرح جميعنا، وهو معنا، تيجاننا جانبًا لنسجد للآب وحده، ليكون الآب هو الكل في الكل."
 
افتكرينا يا بائيسة.. علشان نكون كلنا مع بعض في مدينة واحدة هادئة بعيدًا عن صخب عالم ما زلنا فيه.. عالم قد تلوث كثيرًا يا بائيسة، ولا يمكن أن نرى من خلال ثقل زمانه وعتمة زجاجه كما ينبغي… فقط نرى كمن يرى في مرآة.. في لغز… فأين منا واقع "وجهًا لوجهٍ…"!
هُوَّ حلو وجميل عندك يا بائيسة...؟!"
+++
الحوار امتد بين الخادمين، ولكن هذا ما تيسر منه.