أدهم (٤): حين تصير الخطيئة تاريخًا

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
وتتجلّى مأساة هذه الغربة لاحقًا في قصّة ولديه قدري وهمّام. فالشرّ الذي بدأ بانكسار العلاقة مع الأب يدخل العلاقة بين الإخوة، ويبلغ ذروته في قتل همّام. وهكذا لا تبقى الخطيئة فعلًا خاصًّا بأدهم؛ إنها تصنع تاريخًا يتجاوز صاحبه. فالقرار الفردي يخلق عالمًا يرثه الآخرون، والجرح الذي لم يُشفَ ينتقل من جيل إلى آخر. وما بدأ بمحاولة الوصول إلى سر مكتوب ينتهي بدم أخ يسفكه أخوه.

ويكشف هذا الامتداد ما تمنحه الهوية السردية من فهم للمسؤولية. فالإنسان لا يكون مسؤولًا عن لحظة معزولة فقط؛ أفعاله تدخل قصةً تمتد في الزمن، وتتقاطع مع قصص الآخرين، وتنتج نتائج لا يستطيع التحكم فيها.¹ ولا يعني ذلك تحميل أدهم مسؤولية جريمة قدري مباشرة، وإنما إدراك أنّ الفعل يفتح تاريخًا يفوق قصد الفاعل. فالخروج من البيت غيّر العالم الذي وُلد فيه الأبناء، ووضعهم داخل ذاكرة مجروحة ونظام علاقات مضطرب، ثم كان لكل واحد منهم أن يتخذ موقفه الخاص داخل هذا الميراث. غير أنّ أدهم لا يستسلم لمنطق الانتقام. فعندما يظهر إدريس بعد مقتل همام محاولًا دفعه ضد قدري، يقف أدهم أمام أخيه القاتل ويحميه، حتى يقول له إدريس ساخرًا: «تريد أن تعارك أخاك دفاعًا عن قاتل ابنك!». هنا تبلغ شخصية أدهم لحظةً لاهوتية بالغة العمق. فقد اختبر الخطيئة في ذاته، ولذلك لم يعد قادرًا على اختزال ابنه في جريمته. إنه يرى القاتل من داخل معرفته بهشاشة الإنسان، ويحاول ألا يسمح للموت بأن يبتلع الابن الثاني أيضًا. لا يعني ذلك تبرئة قدري أو إنكار الجريمة. فأدهم ممزق بين دم همام وبنوة قدري، بين العدالة والرحمة، بين القتيل والقاتل. وهذه المأساة تجعله أبًا على صورة معذبة: لا يستطيع إعادة المقتول، ولا يريد تسليم القاتل إلى دائرة جديدة من العنف. ولعل هذه اللحظة تكشف أن تجربته مع الجبلاوي لم تُفهم عنده بوصفها طردًا فقط؛ لقد علمته أيضًا أنّ الإنسان قد يظل ابنًا وهو مذنب.

يضيء بول ريكور هذه اللحظة في تأمّله حول الغفران الصعب، حين يميّز بين الفعل وصاحبه من دون تخفيف جسامة الفعل أو محوه من الذاكرة. فالغفران، في أفقه، يراهن على أنّ الإنسان أوسع من أسوأ أفعاله، وأن نسب الجريمة إلى فاعلها لا يقتضي تثبيته إلى الأبد داخل هوية المجرم.² ويقف أدهم أمام قدري في هذا الموضع المستحيل: يعترف ضمنًا بأنّ ابنه قاتل، ويحمي في الوقت نفسه ما بقي فيه من بنوة وإنسانية. إنه يرفض أن تكون الجريمة الكلمة الأخيرة في تعريفه. وهنا تتجاوز قصة أدهم بساطة إعادة صياغة قصّة آدم. إنها تصبح تأملًا في الإنسان الذي يتلقى الخير، ويشوّهه، ثم يحمل مسؤوليته في عالم لم يعد بريئًا. فالحرّيّة لا تظهر امتيازًا مجردًا؛ إنها القدرة الرهيبة على تحويل العطيّة إلى تاريخ، وعلى إدخال الألم في حياة آخرين لم يشاركوا في القرار الأول. وفي الوقت نفسه تحتفظ بالقدرة على الرحمة، وعلى كسر السلسلة، وعلى رفض أن تكون الجريمة هوية نهائية لصاحبها.

وتكشف قصة أدهم كذلك أنّ المعرفة وحدها لا تخلّص. لقد كان أدهم أكثر إخوته علمًا، وبفضل الكتابة والحساب اختير لإدارة الوقف، لكن علمه لم يحمه من خداع رغبته. فالمعرفة تحتاج إلى حكمة، والحكمة تحتاج إلى علاقة، والعلاقة تحتاج إلى ثقة. وعندما تنفصل المعرفة عن هذه العناصر تتحول من خدمة للحياة إلى وسيلة للسيطرة. وهذه الفكرة ستعود بقوة مع عرفة، حيث يبلغ مشروع المعرفة الحديثة ذروته ويواجه السؤال نفسه على نطاق أوسع. ومن منظور ريكور، تكمن مشكلة المعرفة المنفصلة عن الحكمة في ادعائها الوصول المباشر إلى حقيقة الذات والعالم. أما التأويل فيبدأ من الاعتراف بأنّ الفهم يمر من خلال الرموز والنصوص والأفعال والآخرين، وأنّ الذات لا تمتلك معناها دفعةً واحدة.³ لقد أراد أدهم قراءة الحجة كي يختصر هذا الطريق ويضع يده على حقيقة مستقبله مباشرةً. لكنه لم يقرأ منها سوى «باسم الله»، وكأنّ النص نفسه يقاوم تحويله إلى أداة للسيطرة، ويعيد المعرفة إلى أصل يتجاوز من يريد امتلاكها.

إنّ أدهم هو الإنسان حين تتحول العطيّة إلى امتحان، وحين تصبح الحرّيّة مسؤولة عن تاريخ يتجاوز صاحبها. فقد بدأ أمينًا للوقف، محبًّا للحديقة، شاكرًا «صاحب المنن»، وانتهى خارج البيت يحمل ذاكرته وذنبه وألمه. ومع ذلك لم تُمحَ هويته الأولى. ظل ابن الجبلاوي، وظل البيت بيته حتى حين أُغلق الباب وراءه، وظلت العطيّة أسبق من الخطيئة وأعمق منها. وهذا ما تتيحه الهوية السردية عند ريكور: أن يُفهم الإنسان من خلال القصة الكاملة لمساره، حيث لا تمحو النهاية البداية، ولا تحبس البداية الإنسان داخل براءة فقدها، ولا يستطيع فعل واحد أن يستنفد جميع إمكاناته.⁴ أدهم هو الأمين والخائن، الساكن والمنفي، الأب المجروح والحامي لابنه القاتل. ولا يجمع السرد هذه الوجوه بإلغاء تناقضها، وإنما يمنحها وحدة إنسان عاشها في الزمن وتحمل آثارها.

ولهذا لا تنتهي قصة أدهم إلى تشاؤم كامل. فالإنسان قد يفقد الحديقة، لكنه يحمل صورتها؛ وقد يشوه العطيّة، لكنه لا يستطيع أن يحول الشر إلى أصل؛ وقد يصير غريبًا، لكنه يظل قادرًا على تسمية غربته لأنّ البيت لم يمت في ذاكرته. ومن هذه الذاكرة سيولد تاريخ الحارة كله: تاريخ البحث عن عدل يليق بالأصل، وعن رحمة تكسر انتقال العنف بين الأجيال، وعن طريق يعيد الإنسان إلى بيت ظل حاضرًا فيه حتى بعد أن صار خارجه. ونص محفوظ نفسه هو الأساس الذي تستند إليه هذه القراءة في تتبع أمانة أدهم، وتجربته، وخروجه، ثم علاقته المأساوية بقدري وهمّام.

للموضوع بقيّة
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ